3- أولا: الرد على ما ادعاه المستشرقون من أنه كان سهلا اختراع سند ولصقه بأي حديث، وأن الأحاديث لا تحتوي على معلومات موثوقة عن الفترة الأولى من الإسلام، وأن الحديث الشريف وجد نتيجة للتطور الديني والتاريخي والاجتماعي:
<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /><o:p></o:p>
أ- إن الناظر في هذه الادعاءات من أهل الاختصاص يتعجب من سخفها لأنها تنم عن جهل عميق بعلم الحديث ورجاله وبتاريخ نقل السنة النبوية الشريفة وتوثيقها وتفاني الأمة الإسلامية في ذلك.
ولتقريب سخف هذا الادعاء أضرب مثالا: إذا ادعى شخص ما في زماننا أن هناك معركة كبيرة حدثت بين دولتي الأرجنتين والبرازيل وراح ضحيتها آلاف البشر بتاريخ 1/2003، فحتى لو كان صاحب هذه الكذبة يملك ألف قناة فضائية ليمرر كذبته على الناس، فهل يمكن أن يصدقها حتى السذج من أبناء هذا الزمان؟ الجواب لا؛ لأن كذبه سرعان ما سيظهر للناس. وإن تصديق القول بأن الكذابين على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين عاشوا في العصور الإسلامية الأولى كانوا يمرحون ويشيعون كذبهم ويفترون على الرسول صلى الله عليه وسلم حسبما يحلو لهم وساعة ما يريدون من غير معارض لهم.
إن تصديق هذا القول لهو قريب ومشابه لمن يصدق بالمعركة الكاذبة بين الأرجنتين والبرازيل. وإن الحقيقة تثبت عكس ما يقوله المستشرقون، لأن علماء الأمة وعلى رأسهم المحدثون كانوا متيقظين ليل نهار لرصد أي حديث يروى ورصد تاريخ حياة كل من تصدى للرواية، ولهذا فقد قاموا بدراسة حياة ما يزيد على عشرات الألوف من الرواة لمعرفة درجة صدقهم أو كذبهم ولمعرفة درجة حفظهم، فكانوا أدق الناس وأعلمهم في نقل الأخبار ومعرفة درجات الرجال ومعرفة الأسانيد.
ولهذا لم يجد الكذابون سوقا لكذبهم إلا وكان العلماء المحدثون الصيارفة لهم بالمرصاد، يبينون زيف عملة الكذابين، فكيف يقال بعد ذلك: إنه كان من السهل اختراع سند ولصقه بأي حديث؟.<o:p></o:p>
أضف إلى ذلك فقد كان للعلماء طرق كثيرة في معرفة رواية كل محدث وتلامذته الذين رووا عنه، فكيف كان يستطيع راو غير معروف بصحبته لمحدث ما أو بسماعه منه أن يدعي بأنه سمع من ذلك المحدث مع أن تلامذة ذلك المحدث معروفون؟ وكذلك فإن علماء الأمة الذين عاشوا في خير القرون قد بذلوا قصارى جهدهم في الذب عن الحديث النبوي الشريف، وقد رصد علماء الحديث في علوم الحديث ما يسمى بالحديث المقلوب، وعرفوا جيدا قلب الأسانيد مع الأحاديث وكانوا يمتحنون بعضهم بقلب أسانيد الأحاديث وذلك لمعرفة مدى حفظ الحافظ للحديث كما فعل علماء بغداد مع الإمام البخاري عندما امتحنوه.
وإن قلب الأسانيد عن سهو وبغير قصد مع الأحاديث يعد عيبا كبيرا يطعن بضبط الراوي، لذا كان العلماء يعرفون الرواة الذين يقلبون الأسانيد في أحاديثهم ويحذرون الناس منهم. قال الخطيب البغدادي:« اتفق أهل العلم على أن السماع ممن ثبت فسقه لا يجوز، ويثبت الفسق بأمور كثيرة لا تختص بالحديث، فأما ما يختص منها فمثل أن يضع متون الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أسانيد المتون، ويقال: إن الأصل في التفتيش عن حال الرواة كان لهذا السبب »([1]).<o:p></o:p>
ب- إن عناية علماء الحديث الشريف الجبارة بتوثيق السنة، والقواعد التي وضعوها لذلك في الراوي والمروي تثبت أن ما نقل إلينا لم يأت نتيجة للتطور التاريخي والديني والاجتماعي، فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم أمناء هذه الأمة نقلوا لنا بصدق ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك فعل التابعون وتابعوهم إلى أن دون الحديث الشريف، فأنَّى لمفتر بعد ذلك أن يهدم هذا البناء العظيم من السنة النبوية الشريفة بكلمة باطلة مفتراة؟
وانظر معي إلى أمانة الصحابي في نقله للسنة، يقول سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه: والله ما كل ما نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه منه، ولكن لم يكن يكذب بعضنا بعضا.([2]) <o:p></o:p>
فإذا كان الأمر كذلك فكيف يصح القول بأن الأمة الإسلامية كلها شاركت في الكذب على رسولها صلى الله عليه وسلم؟ ومعلوم أن الكذب في الإسلام من الكبائر، وأما الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم فهو من أكبر الكبائر؟ و الكذب على نبي هذه الأمة صلى الله عليه وسلم لم يمارسه إلا الزنادقة أو الجهلة من الناس الذين فضحهم الله تعالى بين الأمة على أيدي جهابذة علماء الحديث، إذن إن كل ما نقل إلينا عنه صلى الله عليه وسلم وصححه العلماء موثوق به، وليس نتيجة للتطور التاريخي أو الديني أو الاجتماعي للأمة الذي يتحدث عنه هؤلاء المستشرقون.
وأشير إلى مثال في دقة أهل الحديث وهو قول المدلس: (عن)، موهما أنه سمع الحديث، لأنه إذا قال: (حدثني أو أخبرني) عُدَّ كاذبا، ولسقط من الرواية، ولذلك فهو لا يحاول أن يقول: (حدثني أو أخبرني)، ولكن يقول: (عن)، ولذلك نرى أن الإمام شعبة بن الحجاج يقول: كنت أتتبع قول قتادة، فإذا قال: (سمعت أو حدثني) أخذت عنه الحديث، وإذا قال: (عن) تركته. <o:p></o:p>
وتبين مما سبق بأدلة قطعية أن كل الادعاءات السابقة ما هي إلا افتراء على السنة، ولا أصل لها من الصحة إذ لا دليل عليها، ولا يصدق بها إلا الجهلاء من الناس.<o:p></o:p>
<HR align=left width="33%" SIZE=1>
([1]) أحمد بن علي الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق محمود الطحان، (الرياض: مكتبة المعارف، 1403ﻫ/1983م)، ط1، ج: 1، ص: 130.<o:p></o:p>
([2]) أخرجه محمد بن عبدالله الحاكم، المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عبدالقادر عطا، (بـيروت: دار الكتب العلمية، 1411ﻫ)، ط1، ج:3، ص: 665، ح: 6458. وسليمان بن أحمد الطبراني، في المعجم الكبير، تحقيق حمدي بن عبدالمجيد السلفي، (مكتبة العلوم والحكم)، ط2، ج:1، ص: 246، ح: 699.<o:p></o:p>
__________________
[============================]
لو علمتَ ما فعل أهلُ الحديثِ لسجدتَ للهِ شكراً أن جعلك من هذه الأمة.
فضيلة الشيخ / أبو إسحق الحويني [============================]
|