رابعًا-الرد على مزاعم المستشرقين ومن أيدهم فيما يتعلق بإهمال نقد المتن عند المحدثين: <?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /><o:p></o:p>
<o:p></o:p>
إن أوهى شبهة تمسك بها المستشرقون ولاكوها في مؤلفاتهم هي زعمهم بأن المحدثين المسلمين لم يعنوا بنقد المتن، ويدرك من لديه أدنى اطلاع على كتب علوم الحديث ومصطلحه أن هذا الادعاء ما هو إلا محض كذب وافتراء، وإن أحسنا الظن بمن قال بهذا الرأي فنقول: إنه ينم عن جهله العميق بعلم مصطلح الحديث. ومن الأدلة على اهتمام علمائنا السابقين بنقد السند والمتن على حد سواء هي النقاط الاثنتا عشرة التالية:<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
1- إن نقد المتن سبق نقد السند، وقد نمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الملكة، ودعا إلى ترسيخها بقوله وفعله وإقراره، وقد قام الصحابة الكرام بالنظر في النصوص ونقدها ولم ينكر عليهم، وإنما كان يبين النبي صلى الله عليه وسلم لهم الوجهة الصحيحة للنقد فلذلك نستطيع أن نقول إن نقد النصوص سنة نبوية شريفة سنها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، فلا يجوز إنكارها وإن أمته تبعته في ذلك عبر العصور المتطاولة خلال أربعة عشر قرنا([1]). <o:p></o:p>
ومن أمثلة ذلك تصحيح النبي صلى الله عليه وسلم لمفاهيم خاطئة علقت في أذهان الصحابة من أيام الجاهلية، فكان بتصحيحه لها نقد وتمحيص للمعلومات التي يحملها أصحابه وتوجيه لها الوجهة الصحيحة.<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
ومن أمثلة ذلك: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ».([2])<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
وجه الدلالة: أن الصحابة رضوان الله عليهم – يقرون أن المفلس هو من لا درهم له ولا متاع، وهو ما استقر في النفوس لغة وعرفا، فانتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي، وبين خطأه وخطله، وأوضح لهم أن هذا ليس هو حقيقة المفلس، لأن هذا الأمر يزول وينقطع بموته، كما ينقطع أيضا بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته، فيستطيع أن يتدارك ما وقع فيه من الإفلاس، وبين لهم أن حقيقة المفلس هو المذكور في الحديث، فهو الهالك الهلاك التام....فالرسول صلى الله عليه وسلم نقلهم من تصور الإفلاس الدنيوي الآني إلى تصور الإفلاس الأخروي الباقي الذي يجب أن يكون عليه في فكر المؤمن.([3]) <o:p></o:p>
<o:p></o:p>
2- كان الصحابة رضوان الله عليهم ينتقد بعضهم مضمون روايات بعض. فمثلا انتقدت السيدة عائشة مضمون روايات بعض الصحابة وكذلك تعرضت بعض رواياتها للنقد من بعض الصحابة الآخرين. وقد ألف الإمام بدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي (794 هـ) كتابا جمع فيه الروايات التي انتقدت فيها السيدة عائشة مرويات بعض الصحابة([4]).<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
3- يرجع أحد الأسباب الرئيسة للاختلاف بين المذاهب الفقهية إلى نقد المتن.([5]) فقد قبلت المذاهب الفقهية كثيرا من الأحاديث الصحيحة، إلا أنهم اختلفوا في تأويلها وفهمها. ومثال ذلك الأحاديث التي تمنع المرأة البكر من الزواج بغير إذن وليها([6])، هذه الأحاديث قد قبلت في المذهب الحنفي إلا أن الأحناف أولوها بأنها مصروفة إلى المرأة التي لم تبلغ، أما المذهب الشافعي فقد قبل هذه الأحاديث وعمم مضمونها ليشمل المرأة البكر البالغ وغير البالغ.<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
4- اعتمد نشوء المذاهب العقدية في القرون الثلاثة الأولى للإسلام على تفسيرات عديدة لنصوص القرآن والسنة.<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
5- إن علم مختلف الحديث خير شاهد على اعتناء العلماء بنقد المتون، فهذا العلم يعنى بالأحاديث النبوية الشريفة التي ظاهرها التعارض([7]). وقد اهتم العلماء مبكرا بهذا العلم بدءا من مؤلَّف الإمام محمد بن إدريس الشافعي: اختلاف الحديث([8])، وغيره من المؤلفات ككتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، وكتاب مشكل الآثار للطحاوي. أضف إلى ذلك فقد ذكر العلماء وجوها عديدة للترجيح بين مختلف الحديث بعضها راجعة للسند وأخرى راجعة للمتن، ذكر منها الحافظ العراقي والسيوطي والآمدي مائة وجه وعشرة أوجه([9]). <o:p></o:p>
<o:p></o:p>
كل هذا يدل على عناية فائقة من علمائنا بنقد المتن حتى قال ابن خزيمة ( 311 ﻫ ):« ليس ثم حديثان متعارضان من كل وجه، ومن وجد شيئا من ذلك فليأتني لأؤلف له بينهما »([10]).<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
6- لقد أولي نقد المتن عناية كبيرة في علم علل الحديث الذي هو رأس علم الدراية وهو علم متابعة الثقات في رواياتهم، يقول ابن الصلاح في تعريفه بأنه عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة، فالعلة سبب غامض يدل على وهم الراوي سواء أكان ثقة أم ضعيفا وسواء أكان الوهم في السند أم المتن([11]). <o:p></o:p>
<o:p></o:p>
وموضوع هذا العلم الحديث والذي ظاهر إسناده الصحة، إلا أن العلماء يضعفون متنه لأن فيه نكارة أو شذوذا أو اضطرابا أو غرابة([12]) لذا فقد أطلق علماء المصطلح على العلل الموجودة في المتن مصطلحات عدة مثل: هذا حديث منكر المتن، حديث غريب، حديث شاذ، حديث مضطرب([13])، وإن قول العلماء عن حديث إنه صحيح الإسناد أو حسن الإسناد، لا يعني أبداً أن المتن صحيح أو حسن، وذلك لشذوذ أو علة فيه. وقد يصح المتن ولا يصح السند لورود دلائل على صحة المتن من طرق أخرى، فمعرفة صحة الحديث كما يرى الحاكم النيسابوري لا تعتمد فقط على إسناده بل تعتمد على معرفة كبيرة بالحديث ومتونه([14]).<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
وهذا يدلنا على المنهج الموضوعي الشامل لدى المحدثين في النقد([15])، فعلم العلل إذن يدخل في النقد الموضوعي العميق للحديث سنداً ومتناً ويحتاج إلى علم غزير([16]).<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
7- عندما قسم علماء الحديث علم مصطلح الحديث قسموه إلى قسمين: علم الحديث رواية وعلم الحديث دراية، وعرفوا الثاني بأنه: علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن من حيث القبول والرد([17])، وهذا يعني أن هذا العلم وضع قوانين ليضبط بها السند والمتن معا. <o:p></o:p>
<o:p></o:p>
8- ذكر العلماء في تعريف الصحيح والحسن شروطا عائدة للسند، وشروطا عائدة للمتن والسند معا، وهناك شرطان أساسيان لقبول الحديث ويرجعان للسند والمتن معا وهما:أ_ سلامته من الشذوذ، ب- وسلامته من العلة القادحة. ونجدهم عندما يشرحون التعريف يقولون: إن الشذوذ قسمان: شذوذ في السند، وشذوذ في المتن، وأكثر ما يكون الشذوذ في المتن. وكذلك العلة قسمان: علة في السند، وعلة في المتن([18])، فهل بعد هذا من شك في أن المحدثين لم يعنوا بنقد المتن؟<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
9- بين العلماء في بحث الشاذ والمنكر والمعل والمضطرب والمدرج والمقلوب وقوع الشذوذ والنكارة والعلة والاضطراب والإدراج والقلب والغرابة في السند والمتن، ومتى تكون هذه الصفات قادحة في صحة الحديث وثبوته، ومتى تكون موجبة لرده([19]). وقد أطلق العلماء على صنيع من يقلب الحديث سندا ومتنا بأنه يسرق الحديث إذا قصد إليه([20]).<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
10- إن القدح في الراوي يكون بعشرة أشياء: خمسة تتعلق بالعدالة وخمسة تتعلق بالضبط، اختصرها الحافظ ابن حجر في خمسة أشياء فقال: «أسباب الجرح مختلفة ومدارها على خمسة أشياء: البدعة أو المخالفة أو الغلط أو جهالة الحال أو دعوى الانقطاع في السند([21]) فالحكم على ضبط الراوي مبني على مدى حفظه للسند والمتن معا، ولهذا فقد فحص العلماء مرويات كل راو وقارنوها بمرويات الرواة الثقات ليحكموا على ضبط ذلك الراوي، يقول أبو حاتم الرازي: لو لم نكتب الحديث من ستين وجها ما عقلناه([22])، ويقول الإمام مسلم: وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله([23]). وقد ملئت كتب الجرح والتعديل بألفاظ الجرح للراوي بسبب الخطأ في مروياته مثل قولهم: « فلان منكر الحديث »، « يروي عن المناكير »، « يروي الغرائب »، « روى حديثا باطلا »، « رواياته واهية »([24]).<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
11- كان الهدف من نقد السند هو الوصول إلى نقد المتن وخدمته، وكما نقد المحدثون السند واهتموا به واشترطوا سلامته من وجود الوضاعين والكذابين، فكذلك وضع العلماء شروطا لقبول المتن، ووضعوا علامات تدل على الوضع فيه دون النظر إلى سنده. وفي هذا رد واضح على من زعم أن نقد الحديث كان نقدا شكليا منحصرا في السند. ومن العلامات على الوضع في المتن: مخالفة الحديث للحس أو للمقبول، أو لصريح القرآن، أو لصريح السنة الثابتة المشهورة، أو كونه ركيك الألفاظ، سمج المعاني، وما إلى ذلك([25]). يقول الإمام الشافعي: لا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه، إلا في الخاص القليل من الحديث، ومن ذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله، أو يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه.([26])ويعد الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه: المنار المنيف في الصحيح والضعيف أفضل من توسع في موضوع الكلام عن علامات الوضع في المتن وعن القواعد والقرائن التي تدل على الكذب في الحديث نفسه دون النظر إلى سنده، فذكر أربعا وأربعين قاعدة ومثل لها بمئتين وثلاثة وسبعين حديثا، وبيَّن وجه بطلانها من مجرد نقض المتن ولم يعرج على نقد السند في شيء.<o:p></o:p>
ومما قاله في هذا الصدد: وسئلت هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط غير أن ينظر في سنده؟ فهذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعلم ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة واختلطت بلحمه ودمه.. بحيث كأنه مخالط للرسول صلى الله عليه وسلم كواحد من أصحـابه..([27]) ويقول ابن الجوزي:« الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم، وينفر منه قلبه في الغالب » وقال:« ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع»، ويقول الربيع بن خثيم التابعي الجليل أحد أصحـاب ابـن مسعود:« إن من الحديث حديثا له ظلمة كظلمة الليل نعرفه بها »، ومن العلامات التي وضعها العلماء للدلالة على الوضع في المتن: الحديث الذي يتكلم على مذاهب سياسية ظهرت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وكما هو معلوم فقد وضعت أحاديث كثيرة لأهداف سياسية واجتماعية. إذ وضعت أحاديث كثيرة تتكلم على الخلافة التي كانت سببا في انقسام الأمة. وقد وضع كل من دهماء السنة والشيعة أحاديث لتأييد مذاهبهم. فالشيعة وضعوا أحاديث عديدة تتكلم على فضائل علي رضي الله عنه ولذلك قال عامر الشعبي: ما كذب على أحد في هذه الأمة ما كذب على علي رضي الله عنه.([28])واخترع الشيعة أحاديث تؤيد أحقية علي في الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم.<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
ووضع بعض أهل السنة أحاديث تمدح الخلفاء الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ومنها الحديث الموضوع:« كتب على كل ورقة في الجنة لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر، عمر، عثمان ». ويلاحظ عدم ذكر سيدنا علي، وهذا شيء يدعو للتساؤل. واخترع بعض أهل السنة أحاديث تصرح بأحقية أبي بكر بالخلافة ثم عمر ثم عثمان. ومعلوم لدينا أن كل هذه الأحاديث موضوعة؛ إذ كيف تختلف الأمة على قضية الخلافة مع وجود نص صريح من الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فالحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ولم يحدد من يكون خليفة بعده. <o:p></o:p>
<o:p></o:p>
12- إن الذي ينظر في الكتب الستة يتيقن من أن علماءنا قد نقدوا المتن([29])، فالبخاري قد اختار صحيحه من بين مئات الآلاف من الروايات، فقد جمع في صحيحه 7563 حديثا وفيه بحذف المكرر 2607 حديثا انتقاها من 600 ألف حديث([30])، وقد ثبت بعد جمع الروايات أن اختياراته كانت مدروسة وقائمة على البحث والتتبع، وكانت ظاهرة نقد المتن موجودة كذلك عند الإمام مسلم والترمذي والنسائي وأبي داود وابن ماجه وغيرهم([31]).<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
ونكتفي هنا بضرب مثال من صحيح الإمام البخاري. إن للعلماء مواقف عديدة في زيادات الثقات في المتن أو في السند فمن العلماء من قبل زيادة الثقة مطلقا، ومنهم من رفضها مطلقا، ومنهم من فصل كالإمام البخاري فلم يقبلها مطلقا ولم يردها مطلقا وإنما الأمر في ذلك يدور مع القرائن والمرجحات. ومن أمثلة الزيادة المردودة عند الإمام البخاري زيادة كلمة «فليرقه» في حديث ولوغ الكلب، قال البخاري حدثني عبدالله بن يوسف عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:« إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا »([32]) <o:p></o:p>
<o:p></o:p>
أما في صحيح مسلم وسنن النسائي فقد ورد نص الحديث من طريق علي بن حجر السعدي عن علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات »، قال أبو عبدالرحمن: لا أعلم أحدا تابع علي بن مسهر على قوله: « فليرقه »، ويترتب على هذه الزيادة نجاسة سؤر الكلب ولعابه، وهذه الزيادة قد صححها بعض الأئمة كالدارقطني وابن حبان وغيرهما. أما من لم يقبلها فمنهم الإمام النسائي وحمزة الكيلاني؛ لأن مشروعية الإراقة قد وردت موقوفة على أبي هريرة، وقد خلط الراوي ابن مسهر بين الموقوف والمرفوع ولهذا السبب ترك الإمام البخاري هذه الزيادة لأنها غير ثابتة عنده، وترجمته تدل على ذلك، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان وسؤر الكلاب وممرهما في المسجد. ومن خلال ما أورده في هذا الباب من أحاديث وآثار يتبين أنه يذهب إلى طهارة سؤر الكلب. إن صحيح الإمام البخاري مملوء بالأمثلة التي تدل على نقده للمتن ودقة الصناعة الحديثية عنده، ولكن المقام لا يسمح لنا بضرب أمثلة أخرى.([33])<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
وقد أنشأ الإمام الترمذي مصطلحات لها علاقة بنقد السند والمتن معا، وذلك مثل قوله: حديث حسن غريب، أو صحيح غريب([34]). وكما سبق أن ذكرنا فإن المحدثين كانوا يروون الحديث الواحد من أكثر من ستين طريقا أحيانا وذلك تحريا للدقة في نقل الحديث. ولم تسلم الكتب الستة وعلى رأسها صحيح الإمام البخاري من النقد الدقيق والفحص العميق، فقد أعل بعض الحفاظ جملة من الأحاديث في صحيح البخاري، ويرجع بعض أنواع الإعلال إلى علل في المتن، ومن هؤلاء: أبو علي الغساني في جزء العلل في كتابه: تقييد المهمل، والحافظ الدارقطني في كتابه: التتبع لما في الصحيحين، وقد رد على الدارقطني علماء عديدون منهم الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم، والحافظ ابن حجر في هدي الساري، وتوسع الإمام ابن حجر في رده وقسم الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري إلى ستة أقسام، وذكر الرد الإجمالي على كل قسم منها، ثم ذكر الأحاديث المنتقدة حديثا حديثا وأجاب عنها، وجعل ابن حجر من هذه الأقسام ما له علاقة بالمتن كالقسم الثالث والقسم السادس الذي عنون له فقال: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن.([35]) <o:p></o:p>
<o:p></o:p>
وما أروع ما عمله الإمام مسلم في كتابه التمييز حيث ذكر لنا أمثلة عديدة عن خطأ الرواة في السند والمتن أو في أحدهما، فهو يقول: « وكنحو ما وصفت من هذه الجهة من خطأ الأسانيد فموجود في متون الأحاديث مما يعرف خطأه السامع الفهم حين يرد على سمعه، وكذلك نحو رواية بعضهم حيث صحف فقال:... نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتخذ الروح عرضا، أراد غرضا...»([36])، وهو يردد هذه العبارات في كتابه: « ذكر الأحاديث التي نقلت على الغلط في متونها...ومن الأخبار المنقولة على الوهم في المتن دون الإسناد… ومن الأخبار المنقولة على الوهم في الإسناد والمتن جميعا »([37]).<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
إن ما سبق يؤكد أن المحدثين قد نقدوا المتن كما نقدوا السند، فما يدعيه بعض الناس أن علماء الأمة اعتنوا بنقد الشكل دون المضمون، قول من لم يسبر السنة ولم يعرف حقيقتها، ولا غاص في بحارها ليعلم الحق من الباطل والصحيح من المزيف([38]).<o:p></o:p>
<HR align=left width="33%" SIZE=1>
([1]) صالح أحمد رضا، النظر في متن الحديث في عصر النبوة، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية، العدد الثاني والعشرون، شوال 1422هـ/ديسمبر 2001م، ص: 334- 378.<o:p></o:p>
([2]) أخرجه البخاري في صحيحه ج2:، ص865، ح2317، ج5، ص2394، ح6169، ومسلم4/1997 ح2581، و ابن حبان في صحيحه ج16، ص362، ح7361، ج16، ص363، ح7362، و الترمذي في سننه ج4، ص614ن ح2419، وابن ماجه في سننه ج2، ص807، ح2414.، و ابن حنبل في مسنده ج2، ص435، ح9613، ج2، ص506، ح10580.<o:p></o:p>
([3]) لمزيد من الأمثلة انظر صالح أحمد رضا، النظر في متن الحديث في عصر النبوة، ص: 353.<o:p></o:p>
([4]) اسم هذا الكتاب هو: الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة وانظر الزركلي، الأعلام ج:6، ص: 60 وانظر الزركشي، البرهان في علوم القرآن ج: 1، ص: 7.<o:p></o:p>
([5]) لمزيد من المعلومات عن هذا الموضوع انظر: محمد بن علي الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، (مصر: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1356هـ/1939م)، ط1، ص: 279، وفخر الدين عمر بن الحسين الرازي، المحصول في علم الأصول، تحقيق طه جابر العلواني، (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1400هـ/1980م)، المجلد: 2، ج: 2، ص: 579، وانظر كذلك: أحمد بن عبدالحليم بن تيمية، رفع الملام عن الأئمة الأعلام، (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1984م)، وعبدالمجيد السوسوة، التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث، ص: 458-485.<o:p></o:p>
([6]) انظر هذه الأحاديث ومعانيها في الشوكاني، نيل الأوطار، ج: 5، ص: 120 – 123 <o:p></o:p>
([7]) عبدالمجيد السوسوة، منهج التوفيق والترجيح، (عمان: دار النفائس، 1998م)، ص: 54.<o:p></o:p>
([8]) انظر الزركلي، الأعلام، ج:6، ص: 26.<o:p></o:p>
([9]) عبدالمجيد السوسوة، منهج التوفيق والترجيح، ص: 331، 429 – 457.<o:p></o:p>
([10]) المرجع السابق نفسه، ص: 71 – 72.<o:p></o:p>
([11]) أبو بكر كافي، منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها، ص: 216، انظر أمثلة لما تكون فيه الرواية بالمعنى سببا للتعليل في ص: 320-321.<o:p></o:p>
([12]) همام سعيد، الفكر المنهجي عند المحدثين، ص: 107.<o:p></o:p>
([13]) لمعرفة معاني هذه المصطلحات انظر: نور الدين العتر، منهج النقد، ص: 430، 396، 428، 433. <o:p></o:p>
([14]) الحاكم النيسابوري، معرفة علوم الحديث، ص: 59، وقارن بـ صلاح الدين إدلبي، منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي، ص: 191.<o:p></o:p>
([15]) نور الدين عتر، السنة المطهرة والتحديات، ص: 69.<o:p></o:p>
([16]) همام سعيد، الفكر المنهجي عند المحدثين، ص: 105.<o:p></o:p>
([17]) السيوطي، تدريب الراوي، ج: 1، ص: 41. <o:p></o:p>
([18]) نور الدين عتر، السنة المطهرة والتحديات، ص: 68، وقارن بـ محمود الطحان، عناية المحدثين بنقد الحديث كعنايتهم بإسناده، ص:9، وصلاح الدين إدلبي، منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي، ص: 191.<o:p></o:p>
([19]) صلاح الدين إدلبي، منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي، ص: 192.<o:p></o:p>
([20]) ابن كثير، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، شرح أحمد شاكر وناصر الدين الألباني، (الرياض: دار العاصمة للنشر والتوزيع، 1415هـ)، ط1، ج: 1، ص: 270.<o:p></o:p>
([21]) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، هدي الساري مقدمة فتح الباري، تحقيق. عبدالعزيز بن باز وآخرين، ( بيروت: دار الفكر. )، ج: 1، ص: 384.<o:p></o:p>
([22]) مسلم بن الحجاج النيسابوري، كتاب التمييز، تحقيق. محمد مصطفى الأعظمي، ( الرياض: جامعة الرياض، 1395 )، ص: 35. <o:p></o:p>
([23]) مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم،تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، ( بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1374 / 1955) ج: 1، ص: 7.<o:p></o:p>
([24]) نور الدين عتر، السنة المطهرة والتحديات، ص: 70.<o:p></o:p>
([25]) محمود الطحان، عناية المحدثين بمتن الحديث، ص: 399.<o:p></o:p>
([26]) نجم الدين عبدالرحمن خلف، نقد المتن بين صناعة المحدثين ومطاعن المستشرقين، ( الرياض: مكتبة الرشد، 1409ﻫ/ 1988م)، ط 1، ص: 21.<o:p></o:p>
([27]) محمود الطحان، عناية المحدثين بمتن الحديث، ص: 15 – 16.<o:p></o:p>
([28]) محمد عجاج الخطيب، أصول الحديث، ص: 417.<o:p></o:p>
([29]) لمزيد من المعلومات انظر: محمد بن طاهر المقدسي، شروط الأئمة الستة، تحقيق عبدالفتاح أبو غدة، (حلب: مكتبة المطبوعات الإسلامية، 1417ﻫ/1997م)، ط1، ص: 85-105، وانظر محمد بن موسى الحازمي، شروط الأئمة الخمسة، تحقيق عبدالفتاح أبو غدة، ص: 109-189.<o:p></o:p>
([30]) همام سعيد، الفكر المنهجي الإسلامي عند المحدثين، ص: 122.<o:p></o:p>
([31]) المرجع السابق نفسه، ص: 108-109.<o:p></o:p>
([32]) البخاري، صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان وسؤر الكلاب وممرهما في المسجد، حديث رقم 172، ج 1 ص 330.<o:p></o:p>
([33]) أبو بكر كافي، منهج الإمام البخاري، ص: 359 – 362 ، وانظر صلاح الدين الإدلبي، منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي، ص: 105 – 144 ، 174. <o:p></o:p>
([34]) لمزيد من المعلومات انظر نور الدين العتر، منهج النقد، ص: 271 – 272. <o:p></o:p>
([35]) أبو بكر كافي، منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها، ص: 217-220. ولمزيد من المعلومات عن انتقاد المحدثين لحديث بسبب علة في متنه سببها الرواية بالمعنى انظر ص: 320-321.<o:p></o:p>
([36]) مسلم بن الحجاج النيسابوري، كتاب التمييز، ص: 125، ولمعرفة أمثلة أخرى وقع فيها الرواة في الخطأ في السند والمتن انظر قوله: " ومن فاحش الوهم لابن لهيعة (أي في السند والمتن معا)… "، ص: 139.<o:p></o:p>
([37]) مسلم بن الحجاج النيسابوري، كتاب التمييز، ص: 134-135، 141.<o:p></o:p>
([38]) صالح أحمد رضا، النظر في متن الحديث في عصر النبوة، ص:378.
__________________
[============================]
لو علمتَ ما فعل أهلُ الحديثِ لسجدتَ للهِ شكراً أن جعلك من هذه الأمة.
فضيلة الشيخ / أبو إسحق الحويني [============================]
|