[ 114 ]
فقال (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا) ثم نسخ هذه في السورة معه فقال (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرض وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (337) ولما ذكر الله بعد أمره بقيام الله نصفه إلا قليلا أو لزيادة عليه فقال: (أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك) فخفف فقال: (علم أن سيكون منكم مرضى) قرأ إلى (فاقرؤا ما تيسر منه) (338) قال الشافعي فكان بينا في كتاب الله نسخ
--------------------------------------------------------------------------------
[ 115 ]
قيام الليل ونصفه والنقصان من النصف والزيادة عليه بقول الله (فاقرؤا ما تيسر منه) (339) فاحتمل قول الله (فاقرؤا ما تيسر منه) معنيين (340) أحدهما أن يكون فرضا ثابتا أنه أزيل به فرض غيره (341) والآخر أن يكون فرضا منسوخا أزيل بغيره كما أزيل به غيره وذلك لقول الله (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) فاحتمل قوله (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) أن يتهجد بغير الذي فرض عليه مما تيسر منه (342) قال فكان الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين فوجدنا سنة رسول الله تدل على ألا واجب من الصلاة إلا الخمس فصرنا إلى أن الواجب الخمس وأن ما سواها من واجب
--------------------------------------------------------------------------------
[ 116 ]
من صلاة قبلها منسوخ بها استدلالا بقول الله (فتهجد به نافلة لك) وأنها ناسخة لقيام الليل ونصفه وثلثه وما تيسر (343) ولسنا نحب لاحد ترك أن يتهجد بما يسره الله عليه من كتابه مصليا به وكيف ما أكثر فهو احب إلينا (344) أخبرنا مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول جاء أعرابي من أهل نجد ثائر الراس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الاسلام فقال النبي خمس صلوات في اليوم والليلة قال هل علي غيرها فقال لا إلا أت تطوع قال وذكر له رسول الله صيام شهر رمضان فقال هل علي غيره قال لا إلا أن تطوع فأدبر الرجل وهو يقول لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله أفلح غن صدق "
--------------------------------------------------------------------------------
[ 117 ]
(345) ورواه عبادة بن الصامت عن النبي أنه قال " خمس صلوات كتبهن الله على خلقه فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهدا أن يدخله الجنة " باب فرض الصلاة الذي دل الكتاب ثم السنة عن من تزول عنه بالعذر وعلى من لا تكتب صلاته بالمعصية (346) قال الله تبارك وتعالى (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) (347) قال الشافعي افترض الله الطهارة على المصلي في الوضوء والغسل من الجنابة فلم تكن لغير طاهر صلاة ولما
--------------------------------------------------------------------------------
[ 118 ]
ذكر الله المحيض فأمر باعتزال النساء حتى يطهرن فإذا تطهرن أتين استدللنا على أن تطهرن بالماء بعد زوال المحيض لان الماء موجود في الحالات كلها في الحضر فلا يكون للحائض طهارة بالماء لان الله إنما ذكر التطهر بعد أن يطهرن وتطهرهن زوال المحيض في كتاب الله ثم سنة رسوله (348) أخبرنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة وذكرت احرامها مع النبي وأنها حاضت فأمرها ان تقضي ما يقضي الحاج " غير أن لا تطو في بالبيت حتى تطهري "
--------------------------------------------------------------------------------
[ 119 ]
(349) فاستدللنا على أن الله إنما أراد بفرض الصلاة من إذا توضأ واغتسل طهر فأما الحائض فلا تطهر بواحد منهما وكان الحيض شيئا خلق فيها لم تجتلبه على نفسها فتكون عاصية به فزال عنها فرض الصلاة أيام حيضها فلم يكن عليها قضاء ما تركت منها في الوقت الذي يزول عنها فيه فرضها (350) وقلنا في المغمي عليه والمغلوب على عقله بالعارض من أمر الله الذي لا جناية له فيه قياسا على الحائض إن الصلاة عنه مرفوعة لانه لا يعقلها ما دام في الحال التي لا يعقل فيها (351) وكان عاما في أهل العلم أن النبي لم يأمر الحائض بقضاء الصلاة وعاما أنها أمرت بقضاء الصوم ففرقنا بين الفرضين استدلالا بما وصفت من نقل أهل العلم وإجماعهم
--------------------------------------------------------------------------------
[ 120 ]
(352) وكان الصوم مفارق الصلاة في أن للمسافر تأخيره عن شهر رمضان وليس له ترك يوم لا يصلي فيه صلاة السفر كان الصوم شهرا من اثنى عشر شهرا وكان في أحد عشر شهرا خليا من فرض الصوم ولم يكن أحد من الرجال مطيقا بالفعل للصلاة خليا من الصلاة (353) قال الله: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (354) فقال بعض أهل العلم نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر (355) فدل القرآن والله أعلم على ألا صلاة لسكران حتى يعلم ما يقول إذ بدا بنهيه عن الصلاة وذكر معه الجنب فلم يختلف أهل العلم الا صلاة لجنب حتى يتطهر
--------------------------------------------------------------------------------
[ 121 ]
(356) وإن كان نهي السكران عن الصلاة قبل تحريم الخمر فهو حين حرم الخمر أولى ان يكون منهيا بأنه عاص من وجهين أحدهما ان يصلي في الحال التي هو فيها منهي والآخر أن يشرب الخمر (357) والصلاة قول وعمل وإمساك فإذا لم يعقل القول والعمل والامساك فلم يأت بالصلاة كما أمر فلا تجزئ عنه وعليه إذا أفاق القضاء (358) ويفارق المغلوب على عقله بأمر الله الذي لا حيلة له فيه السكران لانه أدخل نفسه في السكر فيكون على السكران القضاء دون المغلوب على عقله بالعارض الذي لم يجتلبه على نفسه فيكون عاصيا باجتلابه (359) ووجه الله رسوله للقبلة في الصلاة إلى بيت المقدس فكانت القبلة التي لا يحل قبل نسخها استقبال غيرها ثم نسخ
--------------------------------------------------------------------------------
[ 122 ]
الله قبلة بيت المقدس ووجهه إلى البيت فلا يحل لاحد استقبال بيت المقدس أبدا لمكتوبة ولا يحل أن يستقبل غير البيت الحرام (360) قال وكل كان حقا في وقته فكان التوجه إلى بيت المقدس يام وجه الله إليه نبيه حقا ثم نسخه فصار الحق في التوجه إلى البيت الحرام لا يحل استقبال غيره في مكتوبه إلا في بعض الخوف أو نافلة في سفر استدلالا بالكتاب والسنة (361) وهكذا كل ما نسخ الله ومعنى " نسخ " ترك فرضه كان حقا في وقته وتركه حقا غذا نسخه الله فيكون من
--------------------------------------------------------------------------------
[ 123 ]
أدرك فرضه مطيعا به وبتركه ومن لم يرك فرضه مطيعا باتباع الفرض الناسخ له (362) قال الله لنبيه (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (363) فإن قال قائل فأين الدلالة على أنهم حولوا إلى قبلة بعد قبلة (364) ففي قول الله: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) * (365) مالك عن عبد الله بن دينار عن بن عمر
--------------------------------------------------------------------------------
[ 124 ]
قال " بينما الناس بقباء في صلاة الصبح غذ جاءهم آت فقال إن النبي قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستدركوا إلى الكعبة " (366) مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب
--------------------------------------------------------------------------------
[ 125 ]
أنه كان يقول " صلى رسول الله ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين " (367) قال والاستدلال بالكتاب في صلاة الخوف قول الله (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) وليس لمصلي المكتوبة أن يصلي راكبا إلا في خوف ولم يذكر الله أن يتوجه القبلة
--------------------------------------------------------------------------------
[ 126 ]
(368) وروى بن عمر عن رسول الله صلاة الخوف فقال في روايته " فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها " (369) وصلى رسول الله النافلة في السفر على راحلته أين توجهت به حفظ ذلك عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وغيرهما وكان لا يصلي المكتوبة مسافرا إلا بالارض متوجها للقبلة (370) بن أبي فديك عن بن أبي ذئب عن عثمان بن عبد الله بن سراقة عن جابر بن عبد الله " أن النبي كان يصلي على راحلته موجهة به قبل المشرق في غزوة بني أنمار "
--------------------------------------------------------------------------------
[ 127 ]
(371) قال الله (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بانهم قوم لا يفقهون) (372) ثم أبان في كتابه انه وضع عنهم ان يقوم الواحد بقتال العشرة واثبت عليهم أن يقوم الواحد بقتال الاثنين فقال: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين) (373) أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن بن عباس قال " لما نزلت هذه الآية * إن يكن منكم عشرون صابرون
--------------------------------------------------------------------------------
[ 128 ]
يغلبوا مائتين) كتب عليهم ألا يفر العشرين من المائتين فأنزل الله (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) إلى (يغلبوا مائتين) فكتب ان لا يفر المائة من المائتين " (374) قال وهذا كما قال بن عباس إن شاء الله وقد بين الله هذا في الآية وليست تحتاج إلى تفسير (375) قال: (واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فغن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا
--------------------------------------------------------------------------------
[ 129 ]
واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما) (376) ثم نسخ الله الحبس والاذى في كتابه فقال (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) (377) فدلت السنة على أن جلد المائة للزانيين البكرين (378) أخبرنا عبد الوهاب عن يونس بن عبيد عن الحسن عن عبادة بن الصامت أن رسول الله قال " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (379) أخبرنا الثقة من أهل العلم عن يونس بن عبيد
--------------------------------------------------------------------------------
[ 130 ]
عن الحسن عن حطان الرقاشي عن عبادة بن الصامت عن النبي مثله
--------------------------------------------------------------------------------
[ 131 ]
(380) قال فدلت سنة رسول الله أن جلد المائة ثابت على البكرين الحرين ومنسوخ عن الثبتين وأن الرجم ثابت على الثبتين الحرين (381) لان قول رسول الله " خذوا عني قد جعل الله
--------------------------------------------------------------------------------
[ 132 ]
لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " أول نزل فنسخ به الحبس والاذي عن الزانيين (382) فلما رجم النبي ماعزا ولم يجلده وأمر أنيسا أن يغدوا على امرأة الاسلمي فإن اعترفت رجمها دل على نسخ الجلد عن الزانيين الحرين الثيبين وثبت الرجم عليهما لان كل شئ أبدا بعد أول فهو آخر
--------------------------------------------------------------------------------
[ 133 ]
(383) فدل كتاب الله ثم سنة نبيه على أن الزانيين المملوكين خارجان من هذا المعنى (384) قال الله تبارك وتعالى في المملوكات (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) (385) والنصف لا يكون إلا من الجلد الذي يتبعض فأما الرجم الذي هو قتل فلا نصف له لان المرجوم قد
--------------------------------------------------------------------------------
[ 134 ]
يموت في أول حجر يرمي به فلا يزاد عليه ويرمي بالف وأكثر فيزاد عليه حتى يموت فلا يكون لهذا نصف محدود أبدا والحدود موقتة باتلاف نفس والاتلاف موقت بعدد ضرب أو تحديد قطع وكل هذا معروف ولا نصف للرجم معروف
--------------------------------------------------------------------------------
[ 135 ]
(386) وقال رسول الله " إذا زنت امة أحدكم فتبين زناها فليجلدها " ولم يقل " يرجمها " ولم يختلف المسلمون في ألا رجم على مملوك في الزنا 87 (3) وإحصان الامة إسلامها (388) وإنما قلنا هذا استدلالا بالسنة وإجماع أكثر أهل العلم (389) ولما قال رسول الله إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها ولم يقل محصنة كانت أو غير محصنة استدللنا
--------------------------------------------------------------------------------
[ 136 ]
على أن قول الله في الاماء (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) إذا اسلمن لا إذا نكحن فأصبن بالنكاح ولا إذا اعتقن وإن لم يصبن (390) فإن قال قائل أراك توقع الاحصان على معاني مختلفة (391) قيل نعم جماع الاحصان أن يكون دون التحصين مانع من تناول المحرم فالاسلام مانع وكذلك الحرية مانعة وكذلك الزوج والاصابة مانع وكذلك الحبس في البيوت مانع وكل ما منع أحصن قال الله (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم) وقال: (لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة) يعني ممنوعة (392) قال وآخر الكلام وأوله يدلان على أن معنى الاحصان المذكور عاما في موضع دون غيره أن الاحصان
--------------------------------------------------------------------------------
[ 137 ]
ها هنا الاسلام دون النكاح والحرية والتحصين بالحبس والعفاف وهذه الاسماء التي يجمعها اسم الاحصان الناسخ والمنسوخ الذي تدل عليه السنة والاجماع (393) قال الله تبارك وتعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين) (394) قال الله: (والذين يتوفون منكم ويذرون
--------------------------------------------------------------------------------
[ 138 ]
أزواجا وصية لازواجهم متاع إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم) (395) فأنزل الله ميراث الوالدين ومن ورث بعدهما ومعهما من الاقربين وميراث الزوج من زوجته والزوجة من زوجها (396) فكانت الآيتان محتملتين لان تثبتا الوصية للوالدين والاقربين والوصية للزوج والميراث مع الوصايا فيأخذون بالميراث والوصايا ومحتملة بأن تكون المواريث ناسخة للوصايا (397) فما احتملت الآيتان ما وصفنا كان على أهل العلم طلب الدلالة من كتاب الله فما لم يجدوه نصا في كتاب الله طلبوه
--------------------------------------------------------------------------------
[ 139 ]
في سنة رسول الله فإن وجدوه فما قبلوا عن رسول الله فعن الله قبلوه بما افترض من طاعته (398) ووجدنا أهل الفتيا ومكن حفظنا عنه من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي قال عام الفتح لا وصية لوارث ولا يقتل مؤمن كافر ويأثرونه عن من حفظوا عنه ممن لقوا من أهل العلم بالمغازي (399) فكان هذا نقل عامة عن عامة وكان أقوى في بعض الامر من نقل واحد عن واحد وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مجتمعين (400) قال وروى بعض الشاميين حديثا ليس مما يثبته أهل الحديث فيه أن بعض رجال مجهولون فرويناه عن النبي منقطعا
--------------------------------------------------------------------------------
[ 140 ]
(401) وإنما قبلناه بما وصفت من نقل أهل المغازي وإجماع العامة عليه وإن كنا قد ذكرنا الحديث فيه واعتمدنا على حديث أهل المغازي عاما وإجماع الناس (402) أخبرنا سفيان عن سليمان الاحول عن مجاهد أن رسول الله قال " لا وصية لوارث "
--------------------------------------------------------------------------------
[ 142 ]
(403) فاستدللنا بما وصفت من نقل عامة أهل المغازي عن النبي أن لا وصية لوارث " على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين والزوجة مع الخبر المنقطع عن النبي وإجماع العامة على القول به (404) وكذلك قال أكثر العامة إن الوصية للاقربين
--------------------------------------------------------------------------------
[ 143 ]
منسوخة زائل فرضها إذا كانوا وارثين فبالميراث وإن كانوا غير وارثين فليس بفرض أن يوصى لهم (405) إلا أن طاوسا وقليلا معه قالوا نسخت الوصية للوالدين وثبتت للقرابة غير الوارثين فمن أوصى لغير قرابة لم يجز (406) فلما احتملت الآية ما ذهب إليه طاوس من أن الوصية للقرابة ثابتة إذ لم يكن في خبر أهل العلم بالمغازي إلا أن النبي قال " لا وصية لوارث " وجب عندنا على أهل العلم طلب الدلالة على خلاف ما قال طاوس أو موافقته (407) فوجدنا رسول الله حكم في ستة مملوكين كانوا لرجل لا مال له غيرهم فأعتقهم عند الموت فجزأهم النبي ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة
--------------------------------------------------------------------------------
[ 144 ]
(4) عزوجل أخبرنا بذلك عبد الوهاب عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين عن النبي (409) قال فكانت دلالة السنة في حديث عمران بن حصين بينة بأن رسول الله أنزل عتقهم في المرض وصية
--------------------------------------------------------------------------------
[ 145 ]
(410) والذي أعتقهم رجل من العرب والعربي إنما يملك من لا قرابة بينه وبينه من العجم فأجاز النبي لهم الوصية (411) فدل ذلك على أن الوصية لو كانت تبطل لغير قرابة بطلت للعبيد المعتقين لانهم ليسوا بقرابة للمعتق (412) ودل ذلك على أن لا وصية لميت إلا في ثلث ماله ودل ذلك على أن يرد ما جاوز الثلث في الوصية وعلى ابطال الاستسعاء وإثبات القسم والقرعة (413) وبطلت وصية الوالدين لانهما وارثان وثبت ميراثهما (414) رضي الله تعالى عنه ومن أوصى له الميت من قرابة وغيرهم جازت الوصية إذا لم يكن وارثا (415) وأحب إلي لو أوصى لقرابة (416) وفي القرآن ناسخ ومنسوخ غير هذا مفرق في مواضعه في كتاب (أحكام القرآن) (417) وإنما وصفت منه جملا يستدل بها على ما كان في
--------------------------------------------------------------------------------
[ 146 ]
معناها ورأيت أنها كافية في الاصل سكنت عنه وأسأل الله العصمة والتوفيق (418) وأتبعت ما كتبت منها علم الفرائض التي أنزلها الله مفسرات وجملا وسنن رسول الله معها وفيها ليعلم من علم هذا من علم (الكتاب) الموضع الذي وضع الله به نبيه من كتابه ودينه وأهل دينه (419) ويعلمون أن أتباع أمره وطاعة الله وأن سنته تبع لكتاب الله فيما أنزل وأنها لا تخالف كتاب الله أبدا (420) ويعلم من فهم الكتاب (هذا الكتاب) أن البيان يكون من وجوه لا من وجه واحد يجمعها أنها عند أهل العلم بينه ومشتبهة البيان وعند من يقصر علمه مختلفة البيان
--------------------------------------------------------------------------------
[ 147 ]
باب الفرائض التي أنزل الله نصا (421) قال الله جل ثناؤه (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون) (422) قال الشافعي فالمحصنات ها هنا البوالغ الحراير وهذا يدل على أن الاحصان اسم جامع لمعاني مختلفة (423) وقال: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربعة شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين)
--------------------------------------------------------------------------------
[ 148 ]
(424) فلما فرق الله بين حكم الزوج والقاذف سواه فحد القاذف سواه إلا أن يأتي بأربعة شهداء على ما قال وأخرج الزوج باللعان من الحد دل ذلك على ان قذفه المحصنات الذين أريدوا بالجلد قذفة الحرائر البوالغ غير الازواج (425) وفي هذا الدليل على ما وصفت من القرآن عربي يكون منه ظاهره عاما وهو يراد به الخاص لا أن واحدة من الآيتين نسخت الاخرى ولكن كل واحدة منهما على ما حكم الله به فيفرق بينهما حيث فرق الله ويجمعان حيث مع الله (426) فإذا التعن الزوج خرج من الحد كما يخرج الاجنبيون بالشهود وإذا لم يلتعن وزوجته حرة بالغة حد (427) قال وفي العجلاني وزوجته أنزلت آية اللعان ولا عن النبي بينهما فحكى اللعان بينهما سهل بن سعد الساعدي
--------------------------------------------------------------------------------
[ 149 ]
وحكاه بن عباس وحكى بن عمر حضور لعان عند النبي فما حكى منهم واحد كيف لفظ النبي في أمرهما باللعان (428) وقد حكوا معا أحكاما لرسول الله ليست نصا في القرآن منها تفريقه بين المتلاعنين ونفيه الولد وقوله " إن جاءت به هكذا فهو للذي يتهمه " فجاءت به على الصفة وقال " إن أمره لبين لو لا ما حكى الله " وحكى بن عباس أن النبي قال عند الخامسة " قفوه فإنها موجبة " (429) فاستدللنا على أنهم لا يحكون بعض ما يحتاج إليه من الحديث ويدعون بعض ما يحتاج إليه منه وأولاه أن يحكى من ذلك كيف لا عن النبي بينهما إلا علما بأن أحدا قرأ كتاب
--------------------------------------------------------------------------------
[ 150 ]
الله يعلم أن رسول الله إنما لاعن كما أنزل الله (430) فاكتفوا بإبانة الله اللعان بالعدد والشهادة لكل واحد منهما دون حكاية لفظ رسول الله حين لاعن بينهما (431) قال الشافعي في كتاب الله غاية الكفاية من اللعان وعدده (432) ثم حكى بعضهم عن النبي في الفرقة بينهما كما وصفت (433) وقد وصفنا سنن رسول الله مع كتاب الله قبل هذا
--------------------------------------------------------------------------------
[ 157 ]
(434) قال الله * (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات) (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا) (435) ثم بين أي شهر هو فقال: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) (436) قال الشافعي فما علمت أحدا من أهل العلم بالحديث
--------------------------------------------------------------------------------
[ 158 ]
قبلنا تكلف أن يروي عن النبي أن الشهر المفروض صومه شهر رمضان الذي بين شعبان وشوال لمعرفتهم بشهر رمضان من الشهور واكتفاء منهم بأن الله فرضه (437) وقد تكلفوا حفظ صومه في السفر وفطره وتكلفوا كيف قضاؤه وما أشبه هذا مما ليس فيه نص كتاب (438) ولا علمت أحدا من غير أهل العلم احتاج في المسألة عن شهر رمضان أي شهر هو ولا هل هو واجب أم لا (439) وهكذا ما أنزل الله من جمل فرائضه في أن عليهم صلاة وزكاة وحجا من أطاقه وتحريم الزنا والقتل وما أشبه هذا (440) قال وقد كانت لرسول الله في هذا سننا ليست
--------------------------------------------------------------------------------
[ 159 ]
نصا في القرآن أبان رسول الله عن الله معنى ما أراد بها وتكلم المسلمون في أشياء من فروعها لم يسن رسول الله فيها سنة منصوصة (441) فمنها قول الله (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوج غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا) (442) فاحتمل قول الله (حتى تنكح زوجا غيره) أن يتزوجها زوج غيره وكان هذا المعنى الذي يسبق إلى من خوطب به أنها إذا عقدت عليها عقدة النكاح فقد نكحت (443) واحتمل حتى يصيبها زوج غيره لان اسم النكاح " يقع بالاصابة ويقع بالعقد (444) فلما قال رسول الله لامرأة طلقها زوجها ثلاثا ونكحها بعده رجل " لا تحلين حتى تذوقي عسيلته
|