إن في شذوذ الماء بالذات عن هذه القاعدة وأثره العظيم الذي ذكرناه لا يمكن أن يتم إلا عن طريق قوة حكيمة خبيرة لطيفة بالكائنات،وهذه القوة إما أن تكون الله جل شأنه،وإما أن تكون غيره،ودليلنا على أنه هو الله وحده لا شريك له هي الآية التي نزلت قبل قرون على رجل لا يعرف القراءة والكتابة صلى الله عليه وسلم ،تقول هذه الآية:" وجعلنا من الماء كل شيء حي".
وهنا نود أن نشير إلى مسألة أخرى،يعتقد الكثيرون بأن الله يعرف بالعقل وفقط،وهذا خطأ كبير،إذ أن الفلاح البسيط الأمي يعرف الله ويعبده ويخافه،لكن قد نجد العلماء الكبار الشديدي الذكاء يعبدون حتى البقر،والصواب أن الله يعرف بأربعة أشياء:العقل – الحس – الفطرة – الشرع .
توحيد الأسماء والصفات:
نبدأ بلمحة عامة:انقسم الناس في هذا القسم إلى ثلاثة أقسام:مكذِّب ومُأَوِّل ومحقِّق،والتأويل عبارة عن تحريف،وسموه تأويلاً لتقريبه إلى أذهان العامة.
أول بدعة ظهرت في الإسلام هي الخوارج،والثانية هي القدرية،والثالثة هي الإرجاء،والرابعة هي المعتزلة،والخامسة هم الجهمية (أتباع جهم بن صفوان) و الجهمية بدورهم انقسموا إلى قسمين:الأول قال بنفي الوجود والعدم على الله كلاهما،والثاني قال بأنه يجب أن نذكر النفي ولا نذكر الإثبات،مثل أن تقول:"إن الله ليس بجاهل ولا يجوز أن تقول بأن الله عليم"،ثم جاءت فئة قالت بذكر الأسماء ونفي الصفات مثل "سميع بلا سمع" وهم المعتزلة،ثم جاءت فئة أثبتت الأسماء مع صفات معينة دون الأخرى وهم الأشاعرة،حيث أثبتوا سبعة صفات وأنكروا باقي الصفات وحرفوها عن مواضعها وسموا التحريف تأويلاً،وهذه الصفات سبعة "الحياة – الكلام – البصر – السمع – الإرادة – العلم – القدرة "مجموعة في هذا البيت:
له الحياة والكلام والبصر *** سمع إرادة وعلم واقتدر
ثم جاءت بدعة الحلول والاتحاد وإنكار البعث بعد الموت والآخرة .
وواجبنا تجاه نصوص القرآن والسنة في الأسماء والصفات إبقاء مدلولات ألفاظها على ظاهرها ،لأن القرآن نزل بلغة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.
وأسماء الله كلها حسنى ،أي بالغة في الحسن غايته من الكمال،وهي غير محصورة بعدد معين لنا،وذكر أن لله 99 اسماً لا يعني أن لله 99 اسماً فقط،ومثال ذلك أن أقول لأحدهم:"لدي 100 ليرة" لا يمنع أن يكون لدي في بيتي مليون ليرة مثلاً.
وأسماء الله تثبت وتقيد بالشرع لا بالعقل،فالستار مثلاً ليس اسماً من أسماء الله لكن الستير ثابت بنص الحديث الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن الله حيي ستير"
وصفات الله تنقسم إلى : لازمة ذاتية – طارئة فعلية – معنوية – خبرية .
اللازمة أو الذاتية: مثل الحياة والعلم ،وسميت باللازمة والذاتية لأنها ملازمة للذات الإلهية.
الطارئة أو الفعلية: لها سبب معين ومناسبة،مثل الرضا والمحبة والغضب،وأما الكلام فهو لازم ذاتي باعتبار أصله،وطارئ فعلي باعتبار آحاده(تكليمه لعباده بالقرآن والإنجيل على سبيل المثال)،والله يفعل ما يشاء متى شاء،وكمثال للتوضيح وبدون تشبيه،يقضي الطفل سنواته الأولى لا يتكلم،لكنه وبعد سنوات يصبح قادراً على الكلام ويتكلم،وعلم البشر مسبوق بجهل،وعلم الله أصل مرتبط بذات الله لا ينفك عنه مطلقاً.
الخبرية:هي التي تثبت لنا بالخبر والسمع ،مسماها بالنسبة لنا أجزاء و أبعاض مثل الساق،واليد،والعين، والوجه.
المعنوية:مثل الرضا والسخط والمحبة والبغض،وهي داخلة في الطارئة والفعلية.
وما يميز الصفة الذاتية عن الفعلية،هو أن الذاتية لازمة،والفعلية متعدية،فالحياة لازمة لله لا تتعدى إلى خلقه،والرحيم فعلية لأنها متعدية إلى المخلوقات.
ضل أهل الأهواء لأنهم حاولوا إدخال العقل في معرفة هذه الصفات،والرد عليهم في منتهى البساطة،إن الواحد منهم يعجز عن معرفة ما يحدث لجاره في الشارع المقابل له،فكيف سيعرف بعقله أشياء عن رب العزة جل شأنه وتقدست أسماؤه!
ذلك بأنه يقيس الأمور على ما يراه ويسمعه ويعقله على أرض الواقع وهذا قياس فاسد،فالطعام والشراب والنوم كمال للمخلق وتنقص من الخالق جل في علاه،وفي نفس الوقت فالتكبر نقص في المخلوق وكمال في الخالق.
وانحراف الفرق الضالة على أقسام:التحريف الذي سموه بالتأويل – التعطيل – التكييف – التمثيل - التفويض،وهذه الأشياء في النصوص إما في اللفظ ، وإما في المعنى،ومثال التحريف في اللفظ قولهم في الآية:"كلم الله موسى تكليماً"هو أنهم وضعوا الفتحة على لفظ الجلالة وجعلوا موسى الفاعل الذي كلم الله لينفوا الكلام عن الله،ومثال المعنى هو أنهم قالوا عن هذه الآية "الكلم هنا هو الجرح وليس الكلام،أي يصبح المعنى (جرح الله موسى تجريحاً)"!
التحريف المسمى بالتأويل:حتى نفرق بين التحريف والتأويل،فالتأويل يعني التفسير،ويأتي بمعنى العاقبة من كلمة موئل ومآل،فإذا كان التأويل بصرف اللفظ عن ظاهره بدليل فهو صحيح،وإن كان صرفاً للفظ عن ظاهره بغير دليل فهو تحريف،مثل كلمة "حيِّهم"بمعنى الحي أو الشارع،إذا كان سياق النص على ذلك فتأويلها صرف عن ظاهرها الذي هو بمعنى "ألقِ التحية عليهم".
التعطيل:معناه هو التخلية والترك ،والمراد به إنكار ما أثبته الله لنفسه بتحريف أو جحود ،كلياً أو جزئياً،مثل أن تقول:"إن الله لا يسمع ولا يبصر".
ومن هنا نلاحظ بأن التحريف الأول المسمى بالتأويل موقعه في الدليل،والتحريف الثاني المسمى بالتعطيل موقعه في المدلول.
التفويض:وهو أيضاً أمر منسوب كذباً إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الصحابة وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين رضوان الله عليهم أجمعين،و أن يقول القائل:"الله أعلم ،ربما كان الله يسمع ويبصر وربما لا"أي أنهم فوضوا الكلام ومروا عليه مرور الكرام دون فهم معناه أو التطرق إليه،والتفويض له ثلاثة مفاسد:الأولى :تكذيب القرآن،لأنه نزل "تبياناً لكل شيء"وأكثر شيء ورد فيه هو الأسماء والصفات.
الثانية: تجهيل النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم.
الثالثة: فتح الباب للزنادقة و الملاحدة والفلاسفة حتى يقولوا على الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب مبين.
التكييف: هو أن يذكر كيفية الصفة(يسأل عنها بكيف)،وهذا أيضاً لا يجوز شرعاً،بل نثبته كما ورد بالدليل السمعي الموافق للعقل،لأن الكيفية لا تدرك إلا بواحدة من ثلاث:مشاهدة الشيء - مشاهدة نظيره – الخبر اليقين عنه ،ونحن لا ننفي كيفية الصفة بل ننفي علمنا بهذه الكيفية.
التمثيل:هو أخص من التكييف،فهو تكييف للخالق مع محاولة لتمثيله بمخلوق،وأول من قال بالتمثيل هو هشام بن الحكم الرافضي قبحه الله.
الأدلة السمعية قسمان:خبر وطلب،مثال الخبر"ليس كمثله شيء"ومثال الطلب"فلا تجعلوا لله أنداداً".
ظن التعارض بين العقل والنقل عند المبتدعة سببه واحد من ثلاث:قلة العلم – سوء الفهم – التقصير في البحث ،و لو عادوا إلى الراسخين في العلم لأراحوا واستراحوا،فواجبنا تجاه المتشابه من النصوص هو رد المتشابه إلى المحكم حتى يصير النص محكماً بالكامل،ونصوص القرآن فيها المحكم وفيها المتشابه،أما نصوص السنة فكلها محكمة وليس فيها متشابه على الإطلاق.
ومثال ذلك:حديث "خلق الله آدم على صورته"الهاء في صورته عائدة على الله جل شأنه،وتفسير ذلك هو أن كلمة "صورة الله"إضافة تشريف لا إضافة بعض إلى كل،مثلها مثل عبد الله – أمة الله – روح الله،ولو سلمنا جدلاً بأنها تشبيه وتمثيل،فهي لا تقتضي التمثيل المذموم بالضرورة،فقول أحدهم:"رأيت زيداً على صورة القمر ليلة البدر" لا يقتضي أن زيداً كوكب بارد،وفيه هضاباً ومرتفعات و انعدام جاذبية،ولله المثل الأعلى.
هذا هو طريق الفرق الضالة مع الأسماء والصفات،و نحن أهل السنة والجماعة لا نحرف الكلم عن مواضعه مهما كانت المسميات،لأن تحريف الكلم عن مواضعه عمل اليهود،فكما أن قدماءهم برروا التحريف بمسمى التأويل،فكذلك معاصروهم برروا التحريف بمسمى التجديد،تحريك الفكر والإبداع،كسر حاجز الخوف و القضاء على الجمود والتقوقع والرجعية في عقلية المسلم المعاصر لمواكبة الحضارة المعاصرة،وليتهم يبدعون في مشاكل الأسرة والشباب والبنات،أو الاختراعات والفيزياء والالكترون،أو علم الاجتماع ،أو الاقتصاد،لكنهم يأتون ليصححوا ديناً تمت رسالته واكتملت ،وشريعة غراء ناصعة البياض كعين الشمس في وضح النهار،ومنهلاً عذباً فراتاً سائغاً شرابه وطعمه ،وقرآناً أحكمت آياته وفصلت لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،ولم تتكفل بحفظه مؤسسة بشرية ولا منظمة إنسانية،بل تكفل بحفظه رب البرية جل شأنه وتقدست أسماؤه !!!،و و الله الذي لا إله إلا هو،كل ما يتخبطون به ليس إلا تلبيس لشياطين الإنس والجن شاءوا أم أبوا.
قال الشافعي رحمه الله:"آمنت بالله،وبما جاء عن الله ،على مراد الله،وآمنت برسول الله – صلى الله عليه وسلم – وبما جاء عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على مراد رسول الله – صلى الله عليه وسلم ،لا أحرف ولا أغير"
ولا نلحد في أسمائه ولا آياته،والإلحاد في اللغة هو الميل،وهو في الأسماء ميل فيها عما يجب فيها وهو أنواع،يعني لا يقتصر شرعاً على إنكار وجود الله:
1 – أن يسمي الله بما لم يسمي به نفسه،فلقد سماه النصارى "أب" وسماه الفلاسفة " العلة الفاعلة – العقل الكلي " وأسماء الله توقيفية.
2 – إنكار كل أو جزء من الأسماء التي سمى الله بها نفسه،وهذا ما فعله فريق من الجهمية ،فلقد أنكروا أسماء الله بدعوى أنها تشبيه.
3 – إثبات الأسماء وإنكار الصفات المتضمنة فيها مثل قولهم:"إن الله سميع بلا سمع"وهذا ما فعله المعتزلة،والأشاعرة أثبتوا الأسماء وبعض الصفات وهي سبعة كما ذكرنا أعلاه،وللصفات ثلاثة أحوال مع الأسماء:
المطابقة: كل اسم يدل على ذات الله لفظاً ومعنى (كل على كل ،الرحيم يدل على الرحمة).
التضمن: دلالة الاسم على جزء من الذات أو المعنى ونوضح الأحوال الثلاثة بمثال في النهاية.
الالتزام: يدل على شيء ليس من مادة الاسم بل لازم له.
المثال:عندي بيت.
المطابقة: بيت تدل على كل البيت.
التضمن : تطلق على غرفة أو صالون،أجزاء متضمنة.
الالتزام: تدل على أن هناك من بنى هذه البيت وهو ليس من مادة البيت وإنما من مواصفات هذا البيت.
ونود أن نقول بأن الاسم يدل على الذات،والصفة تدل على زيادة في الذات،و يجوز أن ندعوا الاسم ولا يجوز أن ندعو الصفة،ونقسم بالاسم والصفات بما فيها القرآن،ونتوسل في دعائنا بالأسماء والصفات... يتبع