الوقفة السابعة.. النعم المغبونة..
لا يقدر نعم الله تعالى إلا من فقدها..
وكأني بك وقد أنهك المرض جسدك، وأذهب السقم فرحك، أدركت قوله صلى الله عليه وسلم : « نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ » [رواه البخاري].
فالصحة من أجل النعم التي أنعم الله تعالى بها علينا، لا يقدرها إلا المرضى..
وهكذا.. فكم من النعم قد غفلنا عنها، وكم من النعم قد قصرنا بواجب شكرها..
وأجلّ تلك النعم وأعظمها.. نعمة الإيمان والهداية..
فكم من الناس قد غبنها، فلم يقوموا بواجب شكرها، وتكاسلوا عن الاستقامة عليها..
وحين تلوح لك بوادر الشفاء.. وتسعد ببدء زوال البلاء، اقدر لهذه النعم قدرها، واعرف فضل وكرم منعمها، وتدبر حالك عند فقدها أو نقصها، فأعلن بذلك توبة نصوحا من تقصيرك في شكر كل نعمة، وتفريطك في استعمالها فيما يرضي ذا الفضل والمنة.
بل اجعل توبتك الآن.. نعم، الآن.. عل هذه التوبة أن تكون سببا في رفع ما أنت فيه من كربة، ودفع ما تعانيه من شدة..
قال علي- رضي الله عنه-: ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة.. وإن لم يكتب لك من مرضك شفاء، فنعم ما يختم العمر به توبة صادقة..
الوقفة الثامنة.. لكل داء دواء..
من رحمة الله تعالى أن المرض مهما بلغ من الشدة والعناء، وشاء الله للعبد الشفاء، يسر له دواء ناجعا، وعلاجا نافعا..
فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء » [متفق عليه].
منها.. حسن التوكل على الله والالتجاء إليه وحسن الظن به..
فهذا خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم يصدع في يقين الواثق: { وإذا مرضت فهو يشفين } [الشعراء: 80].
فلا شافي إلا الله، ولا رافع للبلوى إلا هو سبحانه..
والراقي والرقية والطبيب والدواء أسباب قد يسر الله تعالى بها الشفاء..
فاجعل توكلك على الله وتعلقك به لتظفر بالصحة والعافية في الدنيا، والسلامة والفوز في الآخرة..
فإذا ابتليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو الله ، وهو سبحانه حكيم عليم لا يفعل شيئا عبثا، ورحيم تنوعت رحماته، لا يقضي قضاء إلا كان خيرا للعبد، قال صلى الله عليه وسلم: « عجبت للمؤمن!! إن الله- عز وجل- لم يقض له قضاءا إلا كان خيرا له » [رواه أحمد].
ومنها التدواي بالرقى الشرعية من الكتاب والسنة..
قال تعالى { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } [الإسراء: 82].
فاحرص- شفاك الله- على رقية نفسك بالقرآن وما ورد في السنة النبوية، فهي من أنفع الأسباب لزوال العلة، وكشف الكربة..
وذلك كقراءة سورة الفاتحة، والبقرة، والإخلاص، والمعوذتين..
وغيرها، والقرآن كله شفاء ورحمة..
ومما ورد من الأدعية والأذكار ما جاء عن عائشة- رضي الله عنها- « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي صلى الله عليه وسلم بأصبعه هكذا- ووضع سفيان بن عيينة- أحد الرواة- سبابته بالأرض ثم رفعها- وقال: بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا، بإذن ربنا » [متفق عليه].
وعنها- رضي الله عنها- « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعود بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس، أذهب الباس، واشف، أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءا لا يغادر سقما » [متفق عليه].
وعن عثمان بن العاص- رضي الله عنه- أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده، فقال: « ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: بسم الله- ثلاثا- وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر » [رواه مسلم].
وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من عاد مريضا لم يحضره أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من ذلك المرض » [رواه أبو داود والترمذي].
وعن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- « أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: نعم ، قال: بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك » [رواه مسلم].
وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم » [متفق عليه].
وعن سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « دعوة ذي النون، إذ دعا وهو في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" ، فإنه لم يدع بها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له » [رواه الترمذي].
لكن هذه الأدعية والرقى تريد قلبا خاشعا، وذلا صادقا، ويقينا خالصا، لا ترديدا على سبيل التجربة والاختبار..
ومنها.. الدعاء...
علاوة على ما ذكر من الأدعية والرقى فإن دعاء الله تعالى والالتجاء إلي من أعظم ما ينفع.. بل قد يكون هدف الكربة ومقصدها، قال تعالى : { فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون } [الأنعام: 42].
أما خطر ببالك أنه سبحانه ابتلاك بهذا المرض ليسمع صوتك، وأنت تدعوه، ويرى تضرعك وأنت ترجوه..
فارفع يديك وأسل دمع عينيك، وأظهر فقرك وعجزك، واعترف بذلك وضعفك، تفز برضى ربك وتفريج كربك..
ومنها.. الاستعانة بالصلاة..
قال تعالى: { واستعينوا بالصبر والصلاة.. } [البقرة: 45].
و « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى.. » [رواه أحمد].
ومنها.. الإكثار من الصدقة..
فعن أبي أمامة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « داووا مرضاكم بالصدقة » [صحيح الجامع].
ومنها.. التداوي بما ورد أنه شفاء..
كالعسل والحبة السوداء وماء زمزم والحجامة..
ومنها.. التداوي بما أحله الله من الأدوية المباحة..
الوقفة التاسعة.. إحذر مزالق الشيطان..
فهو لا يفتأ يتربص بالمسلم في حال قوته وضعغه..
فاحذر- رعاك الله- من مزالقه.. ومنها:
• إساءة الظن بالله أو التسخط والجزع.. قال صلى الله عليه وسلم: « إن الله- عز وجل-يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرا فله، وإن ظنه شرا فله » [رواه أحمد وابن حبان] يعني ما كان في ظنه فإني فاعله به.
• إشاعة المرض، أو استطالة زمنه..
فاحرص على كتم آلامك وأحزانك، واحذر من إشاعة مرضك، والتحدث به على سبيل الشكوى والاعتراض.. لا على سبيل الإعلام والإخبار..
قال معروف الكرخي: إن الله ليبتلي عبده المؤمن بالأسقام والأوجاع، فيشكو إلى أصحابه فيقول الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما ابتليتك بهذه الأوجاع والأسقام إلا لأغسلك من الذنوب فلا تشكني.
• إضاعة الأوقات فيما لا ينفع، أو فيما يسخط الله من استماع أو نظر أو فعل محرم..
• التهاون في ستر العورات..
• التداوي بالمحرمات.. قال صلى الله عليه وسلم: « إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام » [رواه أبو داود].
ومن أشد هذه المحرمات.. إتيان السحرة والكهنة، قال صلى الله عليه وسلم: « من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد » [رواه أحمد والحاكم].
وهو طريق الخزي والمحق في الدنيا، والخسارة والذلة في الآخرة..
ولئن يصبر العبد على مرارة المرض وشدته خيرا له من أن يسلك طريقا يفضي به إلى النار.
الوقفة العاشرة..من أحكام المرضى..
الطهارة..
• يجب على المريض أن يتطهر بالماء بأن يتوضأ من الحدث الأصغر، ويغتسل من الحدث الأكبر، فإن لم يستطع ذلك لعجزه أو لخوفه من زيادة المرض أو تأخر برئه تيمم، وذلك بأن يضرب بيده على تراب طاهر له غبار ضربة واحدة، ثم يمسح وجهه بباطن أصابعه، وكفيه براحتيه.
والعاجز عن استعمال الماء حكمه حكم من لم يجد الماء لقوله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم } [التغابن: 16].
• إن كان مرضه يسيرا لا يخاف من استعمال الماء معه تلفا، ولا مرضا مخوفا، ولا إبطاء بريء، ولا زيادة ألم، ولا شيئا فاحشا، كصداع وألم ضرس، ونحوهما، كان بإمكانه استعمال الماء الدافيء ولا ضرر عليه فلا يجوز له التيمم.
• إن كان لا يقدر على الحركة ولا يجد من يناوله الماء جاز له التيمم. فإن كان لا يستطيع التيمم يممه غيره.
• إذا كان المريض في محل لم يجد ماء ولا ترابا ولا من يحضر له الموجود منهما، فإنه يصلي على حسب حاله.
• إن تلوث بدنه أو ملابسه أو فراشه بالنجاسة ولم يستطع إزالتها أو التطهر منها، جاز له الصلاة على حالته التي هو عليها ولا إعادة عليه.
• لا يجوز له تأخير الصلاة عن وقتها بأي حال من الأحوال بسبب عجزه عن الطهارة أو إزالة النجاسة أو عدم توفر الماء أو التراب.
• من به جروح أو حروق أو كسر أو مرض يضره استعمال الماء فأجنب جاز له التيمم، وإن أمكنه غسل الصحيح من جسده وجب عليه ذلك، وتيمم للباقي.
• المريض المصاب بسلس البول أو استمرار خروج الدم أو الريح، ولم يبرأ بمعالجته، عليه أن يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها، ويغسل ما يصيب بدنه وثوبه، أو يجعل للصلاة ثوبا طاهرا إن تيسر، ويحتاط لنفسه احتياطا يمنع انتشار البول أو الدم في ثوبه أو جسمه أو مكان صلاته. وما خرج في الوقت من البول فلا يضره بعد وضوءه إذا دخل الوقت.
وله أن يفعل في القوت ما تيسر من صلاة وقراءة في مصحف حتى يخرج الوقت فإذا خرج الوقت وجب عليه أن يعيد الوضوء، أو تيمم إن كان لا يستطيع الوضوء.
• إن كان عليه جبيرة يحتاج إلى بقائها مسح عليها في الوضوء والغسل، وغسل بقية العضو، وإن كان المسح على الجبيرة أو غسل ما يليها من العضو يضره كفاه التيمم عن محلها وعن المحل الذي يضره غسله.
• يبطل التيمم بكل ما يبطل الوضوء وبالقدرة على استعمال الماء أو وجوده إن كان معدوما.. والله أعلم.
الصلاة..
• أجمع أهل العلم على أن من لا يستطيع القيام له أن يصلي جالسا، فإن عجز عن الصلاة جالسا صلى على جنبه مستقبلا القبلة بوجهه، والمستحب أن يكون على جنبه الأيمن، فإن عجز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيا.
• من قدر على القيام وعجز عن الركوع و السجود لم يسقط عنه القيام، بل يصلي قائما فيومىء بالركوع، ثم يجلس ويومىء بالسجود.
• إن كان بعينه مرض، فقال ثقات من الأطباء: إن صليت مستلقيا أمكن مداواتك وإلا فلا، فله أن يصلي مستلقيا.
• من عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما، ويجعل السجود أخفض من الركوع، وإن عجز عن السجود وحده ركع وأومأ بالسجود.
• إن لم يمكنه أن يحني ظهره حتى رقبته، وإن كان ظهره متقوسا فصار كأنه راكع، فمتى ما أراد الركوع زاد في إنحنائه قليلا، ويقرب وجهه إلى الأرض في السجود أكثر من الركوع ما أمكنه ذلك.
• من لم يقدر على الإيماء برأسه كفاه النية والقول.
• متى قدر المريض في أثناء الصلاة على ما كان عاجزا عنه، من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود أو إيماء، انتقل إليه وبنى على ما مضى من صلاته.
• إذا نام عن صلاة أو نسيها وجب عليه أن يصليها متى استيقظ أو ذكر.
• لا يجوز ترك الصلاة بأي حال من الأحوال، بل يحرص عليها أيام مرضه أكثر من أيام صحته، فلا يجوز له ترك الصلاة المفروضة حتى يفوت وقتها لو كان مريضا ما دام عقله ثابتا، بل عليه أن يؤديها في وقتها حسب استطاعته، فإذا تركها عامدا وهو عاقل مكلف يقوى على أدائها أو إيماء بها فهو آثم، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى كفره بذلك.. وهو الصحيح.
• إن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، جمع تقديم أو جمع تأخير، حسبما تيسر له.. والله أعلم.
الصيام..
• للمريض مع الصوم ثلاث حالات:
- أن لا يشق عليه الصوم ولا يضره فيجب عليه الصوم.
- أن يشق عليه الصوم فيكره له أن يصوم.
- أن يضره الصوم فيحرم عليه أن يصوم.
• إذا كان لا يمكنه القضاء لكون مرضه مما لا يرجى برؤه أطعم عن كل يوم مسكينا. أما إن كان يمكنه القضاء فيصوم بعدد الأيام التي أفطرها بسبب المرض.
• يفسد صومه إذا صام بكل ما في معنى الأكل والشرب كحقن الإبر المغذية، وحقن الدم...، أما الإبر التي لا تغذي فلا تفطر سواء استعملها في العضلات أم الوريد، وسواء وجد طعمها في حلقه أم لم يجده.
• يفسد صومه- على الراجح- بالحجامة ونحوها، فأما خروج الدم بنفسه كالرعاف أو خروجه بقلع سن ونحوه فلا يفطر.
• القيء إن قصده أفطر، وإن قاء من غير قصد لم يفطر.
• يجوز للصائم قلع ضرسه أو مداواة جرحه، والتقطير في عينه أو أذنيه، أو أن يبخ في فمه ما يخفف عنه ضيق التنفس، ولا يفطر بذلك.. والله أعلم.
أخي المريض..شفى الله سقمك، وعظم أجرك، وغفر ذنبك، ورزقك العافية في دينك وبدنك..
دار القاسم: المملكة العربية السعودية_ص ب 6373 الرياض 11442
هاتف: 4092000/ فاكس: 4033150
طريق الإسلام