
2012-04-25, 10:26 AM
|
 |
مشرف قسم التاريخ الإسلامى
|
|
تاريخ التسجيل: 2009-08-07
المشاركات: 1,858
|
|
التلاقح بين اللغة العربية ولغات المسلمين الأخرى/أ.د. أكمل الدين إحسان أوغلى/ق2
التلاقح بين اللغة العربية ولغات المسلمين الأخرى
الأستاذ الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلى
القسم الثاني
بين العربية والتركية
يجدر بنا عند الحديث عن تأثر اللغة التركية الإسلامية في فروعها الشرقية والغربية باللغتين العربية والفارسية أن نتعرف أولاً على الشعوب التركية وكيفية احتكاكها بالعرب والمسلمين واعتناق تلك الشعوب للإسلام ودخولها في خدمته وحمل رايته. والمعروف أن الترك والعرب لم تكن لهم علاقات مباشرة قبل الإسلام، فكان اتصالهما في البداية عن طريق الإمبراطورية الساسانية التي كانت لها علاقات مباشرة مع كلا الطرفين. فقد كان للأتراك دور هام في الشئون الداخلية لإيران على أيام الحاكم الساساني قباد (485-531 م)، كما كانت مملكة الْحِيرة العربية (اللخميون) خاضعة للحكم الساساني، وكانت حروب الإمبراطورية الساسانية هي التي تجمع بين العرب والترك في ساحة القتال.
ومع انتقال الخلافة الإسلامية إلى العباسيين خفت حدة الصراع الذي دار بين الترك والعرب، وكانت حملة الصين على تركستان سبباً في جمع شملهما في صف واحد، فقد طلبوا العون من أبي مسلم والي العباسيين على خراسان فأرسل جيشاً بقيادة زياد بن صالح، فالتحق بقبائل القارلوق التركية، وهزموا الصينيين معاً في معركة فاصلة على شاطئ نهر طلس (طَراز) في يولية 751 م (محرم 134 ه). ومن ثم توقفت الحروب بين المسلمين والأتراك، وأخذت تتوطد الروابط السياسية والتجارية فيما بينهما، حتى بدأ الترك يدخلون في الإسلام، ويتقلدون الوظائف الهامة في خدمة الدولة الإسلامية، وكان عبيد الله بن يحيى بن خاقان أول تركي يتولى منصب الوزارة عام 236 ه/ 851 م.
واستمر دخول الأتراك إلى العالم الإسلامي وتولي المناصب الإدارية والعسكرية حتى أخذ البويهيون الشيعة بغداد عام 945 م، فزال النفوذ التركي مؤقتاً، ولم يظهر على مسرح السياسة في العالم الإسلامي إلا بعد قيام الدول التركية المسلمة مثل دولة القرخانيين والغزنويين والسلاجقة. أما في مصر فقد تولى السلطة فيها أحمد بن طولون عام 254 ه/ 868 م وأسس دولة لها أركانها عرفت في التاريخ باسم "الدولة الطولونية" (254-292 ه/ 868-905 م)، وظهر بعدها الأخشيديون فحكموا مصر حتى انتزعها منهم الفاطميون الشيعة (358-567 ه/ 969-1171 م)، ثم ظهرت الدولة الأيوبية (567-648 ه/ 1171-1250 م) التي انبثقت عنها دولة المماليك (648-923 ه/ 1250-1517 م)، وعاشت مصر خلال العهد المملوكي عصراً من أزهى عصورها، وتعرفت على الثقافة التركية من خلال اللهجة القبجاقية التي شاعت هناك وكتب عنها أدباء العرب مثل أبي حيان الأندلسي. ثم زالت دولة المماليك على أيدي الأتراك العثمانيين الذين حكموا مصر والمنطقة العربية إلى حقبة تبلغ أربعة قرون. وقد بذلت الدول التركية المسلمة جهوداً ضخمة من أجل تقدم العلوم الإسلامية، ففي زمن القرخانيين والغزنويين والسلطنة التركية في الهند كانت بخارى وسمرقند وغزنة ودلهي من أهم المراكز الثقافية في العالم الإسلامي. وكانت منطقة ما وراء النهر ذات الثقافة التركية الإسلامية قد بدأت قبل ذلك في تخريج العديد من العلماء الأتراك المشهورين، فكان أحمد بن حنبل يعرف المحدث عبد الله بن مبارك التركي (ت. 182 ه/ 798 م)، ويصفه بـ"الأستاذ".
وكانت اللغة التركية لغة الحديث والأدب عند القرخانيين، ولغة الحديث في بلاط وجيوش الغزنويين والخوارزميين، كما كانت لغة الطبقة الحاكمة والجيش في سلطنة دلهي التركية وعند السلاجقة. وكان الترك قديماً يستخدمون الأبجدية الأُويْغُورية فاستبدلوها بالأبجدية العربية. فلما جاء الأتراك العثمانيون قويت اللغة التركية الغربية في عهدهم وأصبحت أوسع الفروع علماً وأدباً. والمعروف أن العثمانيين عاشوا إلى جانب السلاجقة الأتراك حتى ورثوا ملكهم وثقافاتهم، وكانت الفارسية قواماً للثقافة عندهم، فأخذوا عنهم الفارسية، وتأثرت لغتهم العثمانية بها.
وفي الكتب التي ألفت من القرن الحادي عشر إلى القرن الخامس عشر الميلاديين نرى تأثير العربية والفارسية على التركية ضئيلاً. كما دخلت إلى التركية في عصور مختلفة بعض الألفاظ من اللغة الصينية والسنسكريتية والصغدية (إحدى لغات إيران) واليونانية والأرمنية، إلا أن هذه الألفاظ ليست شيئاً يذكر. ولم يبدأ دخول العربية والفارسية إلى التركية إلا مع ظهور اللهجات الأدبية بعد القرن الثالث عشر الميلادي (اللهجات الشرقية والغربية، ثم العثمانية، والآذرية والجغتائية). فلما دخل الأتراك في نطاق الحضارة الإسلامية انتقلت إلى التركية ألفاظ عديدة من العربية لغة الدين، ومن الفارسية لغة الأدب، حتى بدأت التركية تبتعد عن لغة العامة وتتحول بالتدريج إلى لغة تستخدمها الصفوة، وهو الأمر الذي ينطبق على الآذرية والجغتائية بقدر انطباقه على العثمانية.
وقد مرت اللغة التركية بمرحلتين أساسيتين؛ المرحلة القديمة، والمرحلة الحديثة، ويمتد عمر المرحلة القديمة من بداية ظهور اللغة حتى القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، ثم تبدأ المرحلة الحديثة التي تغير فيها تركيب اللغة وظهرت فيها القواعد النحوية الجديدة، وتغيرت فيها الأبجدية. ومن ناحية الشكل الخارجي للغة فقد بدأت تدخلها العناصر العربية والفارسية واستمر ذلك دون كثافة كبيرة حتى القرن الخامس عشر الميلادي. وتمثل اللغة العثمانية بشكلها وتركيبها هذه المرحلة الثانية، وهي تتميز بزوال آثار المرحلة القديمة. أما من ناحية الشكل الخارجي فقد مرت هي الأخرى بالمرحلة الأولى التي ذكرناها أي مرحلة التركية الأناضولية القديمة، التي تميزت بالبساطة وغلبة العناصر التركية على الجملة فيها واستمرت حتى أوائل القرن الخامس عشر. وخلال هذا القرن أخذت تتوازن العناصر التركية مع الأجنبية في الجملة. أما بعد هذا التاريخ فقد زادت فجأة كمية الألفاظ والتراكيب العربية والفارسية، كما كان لقبول العروض العربي في الشعر التركي آنذاك دوره في تلك الزيادة. واستمر الأمر على ذلك حتى بلغت التركية العثمانية غاية التعقيد، وأصبحت الجملة لا تحتوي من العناصر التركية الأصلية أكثر من الفعل وبعض أدوات الربط.
والذي يعنينا هنا هو الكيفية التي تأثرت بها اللغة التركية من اللغتين العربية والفارسية، فقد كان المفكر المسلم يرى نفسه مسلماً أولا وفي المرتبة الثانية تركياً أو عربياً أو أعجمياً. ومن هنا أقبل بلغاء الترك إقبالاً شديداً على التباهي بثقافتهم الإسلامية العالية التي تمثلها اللغتان العربية والفارسية فأهملوا لغتهم التركية إلى حين. ولما بدأ الترك يقيمون الدول الإسلامية ويشعرون بأهمية اللغة شرعوا في إحيائها من جديد واستخدموا لها الأبجدية العربية كما ذكرنا. فظهرت التركية في ثوب جديد مع وجود اللغتين العربية والفارسية التي شارك فيهما علماؤهم وبلغاؤهم قبل ذلك.
ولأن هذه التركية الجديدة لغة إسلامية نشأت في كنف الإسلام فقد كان من الطبيعي أن تدخلها أولاً الألفاظ العربية التي دخلت الفارسية قبلها وكان يتعذر وجودها في هاتين اللغتين قبل الإسلام، ومصطلحات لمعان إسلامية خالصة، كالمسلم والمؤمن والزكاة والحج والتيمم والقبلة وغير ذلك. وهي أيضاً الألفاظ والمصطلحات الإسلامية التي دخلت اللغات الإسلامية الأخرى كالأردية والملايوية والبنغالية ولغات أفريقيا الإسلامية.
أما تأثير التركية في العربية والفارسية فقد بدأت بظهور السلاجقة الأتراك، إذ أخذت تتسرب الألفاظ التركية إلى العربية، فدخل الجزء الأقل منها إلى معاجم العربية الفصيحة، بينما دخل الجزء الأكبر إلى اللهجات العامية العربية، ولا سيما في العهد العثماني بعد اختلاط الترك بالعرب.
ومن الألفاظ التركية التي دخلت اللغة العربية في مجالات شتى كالحياة العسكرية والإدارية مثل الباشا (paşa) والبك (bey) والجاويش (çavuş) والبيرق (bayrak): العلم والبيرقدار (bayrakdar): حامل العلم والطوخ (tuğ): خصلة من ذنب الفرس توضح على العلم إشارة إلى رتبة صاحبها والأولاق (ulak): البريد الرسمي بالمفهوم القديم والدمغة (Damga): نوع من الضريبة، وفي الأطعمة مثل بسطرما (pastırma): اللحم القديد والبرغل (bulgur): القمح المجروش بعد سلقه وتجفيفه والبقسماط (peksimet): الخبز المحمص والسجق (sucuk): اللحم المفروم المحشو في المعي والدردي (tortu): ما رسب أسفل العسل والزيت ونحوهما، وفي الأدوات مثل دبوس (topuz): أداة حربية والبرغي (burgu): مثقاب حلزوني والبكرج (bakrac): إناء من نحاس لإعداد القهوة والتنكة (teneke): وعاء من صفيح وإناء تغلى فيه القهوة والطنجرة (Tencere): قدر أو صحن من نحاس أو نحوه، وفي شؤون ومجالات أخرى مثل الطقم (takım): مجموعة متكاملة من الأدوات تستعمل في أغراض خاصة، والخاتون (Hatun): المرأة الشريفة والتكية (Tekke): رباط الدراويش والخان (han): سوق لتجار القوافل والتخته (karatahta): السبورة والجنكل (çengel): الحديدة المعكوفة التي تحبس بها الأبواب والنوافذ وغير ذلك... والبقشيش (bahşiş): الهدية النقدية والبيرم (bayram): العيد. (انظر "المعجم الوسيط" و"كتاب المعرب" للجواليقي و"supplement aux dictionnaires arabes" لدوزي (Dozy).
وانتقلت ألفاظ فارسية وغير فارسية استقرت في التركية إلى العربية مثل الجوكان والجوكندار [نوع من الكمأة] والرنك [شعار للملوك والأمراء الأتراك المماليك بمصر]، كما سمعنا عن خيل الأولاق واليسق، وكثرت الألفاظ المركبة من لفظة عربية ملحق بها لفظة (دار) مثل السلحدار والدفتردار والدوادار والاستادار، أو ربطت اللفظة العربية بكلمة (خانة) مثل: السلاح خانة والشراب خانة والجبخانة.. وهي كلها ألفاظ لمصطلحات جديدة في نظم الدول التركية الإسلامية التي أقامها الأتراك في مصر والشام، وكتاب "صبح الأعشى" يتعرض لهذه المصطلحات بالتفصيل بينما استخدمها كتاب التواريخ العربية كابن إياس والجبرتي بكثرة.
ومن الجدير بالذكر أن هناك تفاعلاً بين الثقافتين العربية والتركية في مجال الموسيقى، مما أدى إلى إثراء اللغة العربية باصطلاحات تركية. وقد استمر هذا التفاعل مدة طويلة وكانت استانبول كعبة الأدباء والعلماء والفنانين من جميع الأقطار العربية والإسلامية، باعتبارها عاصمة الخلافة، فيقدمون بها إنتاجهم، ويقتبسون من روائع ما يسمعون بها، ومن هذا وذلك تولد ما نلاحظه الآن من تشابه كبير بين القطع العربية والتركية، وقد كان من أبرز الزائرين لها: عبده الحامولي من مصر، وعثمان الموصلي من العراق، وعلي الدرويش من حلب، ومحسن ظافر من ليبيا، وأحمد الطويلي من تونس، وبرزت مقامات جديدة في الموسيقى العربية، مثل الحجازكار والشاهناز والنوأثر وغير ذلك من المصطلحات الموسيقية التي لا عهد للعالم العربي بها.
أما الألفاظ والمصطلحات التركية - أو الفارسية وغير الفارسية التي دخلت عن طريق التركية إلى اللهجات العامية العربية وهي كثيرة، في أسماء المأكل والمشرب والملبس والجيش وغير ذلك من شئون الحياة المختلفة فيمكن التعرف عليها بالرجوع إلى الكتب التي عالجت العامي والدخيل. ولم يقتصر دخول الألفاظ التركية (أو الألفاظ الأخرى عن طريقها) على العربية وحدها، فقد بدأت تدخل الفارسية السلجوقي، وفي الدراسة التي قام بها G. Doerfer حصر 1727 كلمة تركية انتقلت إلى الفارسية.
وفي منطقة البلقان كان للغات الإسلامية، العربية والتركية والفارسية شأنها مع دخول العثمانيين إليها وتحول البوشناق والأرناؤوط إلى الإسلام، فقد أنجبت البوسنة طوال العهد العثماني أكثر من ثلاثمائة مؤلف ممن كانوا يكتبون آثارهم باللغات العربية والتركية والفارسية، وقد وضع محمد البوسنوي المعروف بالخانجي في هذا الموضوع كتاباً أسماه "الجوهر الأسنى في تراجم علماء وشعراء بوسنة"، ووضع اسماعيل باليتش كتاباً في نفس الموضوع أسماه "ثقافة البشانقة الإسلامية" أشار فيه إلى ما خلفه البوشناق المسلمون من تراث بتلك اللغات الثلاث. وفي الدراسة التي قام بها A. Skalyiç حصر 7100 كلمة تركية وغير تركية دخلت عن طريقها إلى لغة الصرب والكروات، كما دخلت إلى البلغارية واليونانية والألبانية والمقدونية والمجرية والرومانية والبولندية والتشيكية والسلوفاكية. ودخلت التركية إلى لغات الشعوب القاطنة بين البحر الأسود وبحر الخزر في منطقة القوقاز مثل الشعوب الجركسية والجورجية والشيشانية والانكوشية والأرمنية وغيرها.
يتبع
|