إبن تيمية شيخ الإسلام وإهتمامه بالتاريخ (4)
وملخص هذا القياس ما يلي[43]:
1 - أن المسلمين هُزموا في معركة أُحد بسبب ذنوبهم؛ وكذا هُزم المسلمون عام (699هـ) في وقعة (قازان) بسبب ذنوب ظاهرة، وخطايا واضحة.
2 - ابتُلي المسلمون بعد أُحد بأكثر من سنة – وقيل: بسنتين – بالأحزاب في معركة الخندق؛ وكذا ابتلي المسلمون في الشام بعدوِّهم بعد وقعة (قازان).
3 - في الخندق نصر الله عبده - صلى الله عليه وسلم - ، وهزم الأحزاب وحده بغير قتال، بل بثبات المؤمنين بإزاء عدوهم؛ كما كان ذلك في غزو المسلمين للتتار.
4 - انقسم الناس عام الخندق إلى ثلاثة أقسام: مؤمنين، وكافرين، ومنافقين؛ وكذلك انقسموا هنا.
5 - أن المسلمين في الأحزاب تحزَّب عليهم عامة المشركين الذين حولهم، فاجتمعت قريش، وحلفاؤها من بني أسد، وأشجع، وفزارة، وغيرهم من قبائل نجد، وكان معهم اليهود؛ وفي هذه الحادثة تحزَّب العدو من مغول، وتُرك، وفُرس، ومستعربة، ونحوهم من أجناس المرتدة، ومن نصارى الأرمن، وغيرهم.
6 - أن الكثرة كانت من جانب العدو في الأحزاب؛ كما كانت هنا أيضاً.
7 - نزل أولئك بنواحي المدينة بإزاء المسلمين ليستأصلوهم؛ ونزل هذا العدو بجانب ديار المسلمين، ومقصوده الاستيلاء على الدار واصطلام أهلها.
8 - دام الحصار على المسلمين عام الخندق بضعاً وعشرين ليلة؛ وهذا العدو عَبَرَ الفرات ثم انصرف راجعاً عن حَلب في مثل ذلك.
9 - «كان عام الخندق عامَ برد شديد وريح شديدة منكرة بها صرف الله الأحزاب عن المدينة... وهكذا هذا العام أكثر الله فيه الثلج والمطر والبرد على خلاف أكثر العادات... وكان ذلك من أعظم الأسباب التي صرف الله بها العدو؛ فإنه كثر عليهم الثلج والمطر والبرد حتى هلك مِنْ خيلهم ما شاء الله.
وهلك أيضاً منهم من شاء الله، وظهر فيهم وفي بقية خيلهم من الضعف والعجز بسبب البرد والجوع ما رأوا أنهم لا طاقة لهم معه بقتال».
10 - قال الله في شأن الأحزاب: إذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْـحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْـمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا [الأحزاب: 01 - 11] ؛ وهكذا حصل مع هذا العدو، وتزلزل المسلمون على ما وُصف في بداية المقال.
11 - «قال الله - تعالى -: وَإذْ يَقُولُ الْـمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلاَّ غُرُوراً [الأحزاب: 21]. وهكذا قالوا في هذه الفتنة فيما وعدهم أهل الوراثة النبوية والخلافة الرسالية وحزب الله المحدِّثون عنه».
12 – قـال - تـعـالى -: وَإذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب: 31]، أي: لا مقام لكم في الخندق والقتال؛ لكثرة العدو، فارجعوا إلى المدينة، وهكذا لما قدم هذا العدو قال بعض الناس: ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم، وقال بعضهم: ما بقيت أرض الشام تسكن، وقال بعضهم: المصلحة الاستسلام لهؤلاء والدخول تحت حكمهم، فهذه المقالات الثلاث قد قيلت في هذه النازلة، كما قيلت في تلك.
13 - «قال الله - تعالى -: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إن يُرِيدُونَ إلاَّ فِرَاراً [الأحزاب: 31]. وكان قوم من هؤلاء المذمومين يقولون – والناس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند سلع داخل الخندق والنساء والصبيان في آطام المدينة –: يا رسول الله! إن بيوتنا عورة، أي: مكشوفة ليس بينها وبين العدو حائل... قال الله - تعالى -: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ لأن الله يحفظها، إن يُرِيدُونَ إلاَّ فِرَاراً فهم يقصدون الفرار من الجهاد ويحتجون بحجة العائلة، وهذا ما أصاب كثيراً من الناس في هذه الغزاة، صاروا يفرون من الثغر إلى المعاقل والحصون وإلى الأماكن البعيدة كمصر، ويقولون: ما مقصودنا إلا حفظ العيال وما يمكن إرسالهم مع غيرنا، وهم يكذبون في ذلك، فقد كان يمكنهم جعلهم في حصن دمشق لو دنا العدو... وقد كان يمكنهم إرسالهم والمقام للجهاد، فكيف بمن فرَّ بعد إرسال عياله؟».
14 - «قال - تعالى -: يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإن يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إلاَّ قَلِيلاً [الأحزاب: 02].
وصفهم بثلاثة أوصاف... وهذه الصفات الثلاث منطبقة على كثير من الناس في هذه الغزوة كما يعرفونه من أنفسهم ويعرفه منهم من خبرهم».
15 - جرى في غزوة الخندق مناوشات صغار؛ كما جرى في هذه الحادثة.
يتبع..