الموضوع: سورة البقرة.
عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 2014-02-05, 05:28 PM
الصورة الرمزية أبو عادل
أبو عادل أبو عادل غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل
افتراضي

وهكذا ترى فى سورة البقرة وهى أول ما نزل بالمدينة المنورة لونا آخر من العرض القرآنى لأهم قضايا العقيدة، والهدف واحد فى العهدين وإن تلونت الأساليب "ذلك الكتاب لا ريب فيه" إن كانت هناك كتب اكتنفها الريب وساءت فيها الظنون...! ونجح أصحاب محمد فى الاستجابة لما نزل إليهم فى هذه السورة وفيما تبعها، كان القرآن ينزل وهم يعملون، ويأمر وهم يطيعون. ويخطط للفرد والمجتمع والدولة وهم ينفذون. فأمست المدينة برجالها الجدد ونظامها الجديد عاصمة فذة لأخطر الرسالات. وقاعدة لحركات الأمة الوسط التى هى خير أمة أخرجت للناس. الله يعلِّم رسوله بالوحى، والمسلمون يتعلمون من رسولهم ما ينفعهم وينفع الناس " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " . وقد بين الله سبحانه وتعالى فى الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة أن النبى ومن معه صدقوا الله فصدقهم الله، وأن ما نزل إليهم من أحكام فى هذه السورة - وما تلاها - قد صدعوا به وأحسنوا القيام عليه وبذلوا جهدهم فى أدائه على خير وجه. وكانوا أشرف منزلة من أقوام سبقوهم جاءهم الوحى فقالوا سمعنا وعصينا.. لقد كان العرب أميين ولم يكن لهم فى موازين الحضارة العالمية ثقل معروف، حتى نزل بينهم القرآن، فأخذ يزكى سيرتهم، ويرفع مستواهم، ومازالوا يصعدون فى مدارج الترقى حتى سبقوا غيرهم من الأمم، وصاروا فى صلاح المجتمع وزكاة النفوس وإقامة العدالة أقدر من غيرهم وأشرف.. والحضارة التى أقاموها لا تقوم على نعرة جنسية، أو نزعة مادية، أو غايات أرضية، بل على الربانية الخالصة، وجعل الدنيا مهادا للآخرة، ولهذا قال الله سبحانه فى نهاية هذه السورة : " آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " . ليس لأهل الإسلام عنصر يتعصبون له، أو وطن ينتمون إليه، إن ولاءهم لله رب السموات والأرضين، وخالق الناس أجمعين، لا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى، ولا فضل لهم على الناس إلا بما يقدمون لهم من دين.. وإذا كانت المدينة المنورة قد شهدت البناء الأول للأمة الإسلامية فقد كان ذلك بما عرفته من وحى وصلها بالله، وربطها بهداه، فكان البيت المسلم والسوق المسلمة، والنشاط العام فى
ص _025
دواوين الحكم ومدارس العلم، وعرصات الاتجار والزرع، وشئون الأخلاق والتشريع، كان ذلك كله يسير وفق الوحى النازل فى الكتاب، والقيادة الهادية من صاحب الرسالة الخاتمة.. وصح أن النبى صلى الله عليه وسلم قدم شابا ـ هو أحدث من معه سنا ـ فولاه القيادة،لأنه كان يحفظ سورة البقرة!! إنه لا يحفظها أحرفا وأنغاما، وإنما يحفظها إلهاما وأحكاما، ونورا وفرقانا، وهكذا تبنى الأمم... ******* ونقف أخيرا أمام آخر آية فى سورة البقرة، فنلفت الأنظار إلى خاصة فى الأمم التى تواتيها حظوظ الرفعة والصدارة، إنها تمتاز بالصلف، وتنظر إلى سواها من أعلى.. والجنس الأبيض الذى يحكم العالم اليوم تستبد به نزعة من الكبر والترفع على سائر الأجناس الأخرى. ! أليس صاحب الحضارة التى غزت الفضاء وفجرت الذرة؟ إن أشباه الرجال فيه يتعالون تحت هذه المنقبة التى حققها نفر من العباقرة. أما المسلمون ـ إبان صدارتهم، وأيام اختصاصهم بالوحى الأعلى ـ فهم يشعرون بالخضوع لله، والفقر فى ساحته، والحاجة الماسة إليه. ودينهم الاستغفار، وطلب العفو، والتأميل فى الفضل الأعلى.. " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا " الخ
ص _027


مأخوذ من كتاب نحْوَ تفسير مَوْضوعيّ.

الشيخ محمد الغزالي.



__________________








رد مع اقتباس