ثانيا : فساد المعتقدات :
ونعني بهذا المظهر من مظاهر الخلل أن بعض الناس فقدوا تقدير المصادر الإسلامية كالكتاب والسنة ، كما بلغ الاستهتار حدا تمثل في ادعاء المهدية وادعاء النبوة وبعض الغلو الفاحش في أمور العقيدة لدى بعض الطوائف ، مثل : الصوفية آنذاك .
ويمكن أن نقدم دليلا على هذا المظهر بعض الأحداث التي سجلها لنا التاريخ ، منها :
1 - قتل رجل لكفره واستهتاره بآيات الله ، والاستهانة بالنبوة . ففي حوادث سنة ( 726 هـ ) يذكر ابن كثير " وفي يوم الثلاثاء حادي عشر ربيع الأول بكرة ضربت عنق ناصر بن الشرف أبي الفضل بن إسماعيل بن الهيثمي بسوق الخيل على كفره واستهانته واستهتاره بآيات الله ، وصحبته الزنادقة كالنجم بن خلكان ، والشمس محمد الباجريقي ، وابن المعمار البغدادي ، وكل فيهم انحلال وزندقة مشهور بها بين الناس .
قال الشيخ علم الدين البرزالي : وبما زاد هذا المذكور المضروب العنق عليهم بالكفر والتلاعب بدين الإسلام ، والاستهانة بالنبوة والقران .
2 - ادعاء المهدية وتبديل الشهادتين ، حدث هذا عام ( 717 هـ ) حين خرجت النصيرية عن الطاعة وكان بينهم رجل سموه محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله ، وتارة يدعى علي بن أبي طالب فاطر السماوات والأرض ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، وتارة يدعي أنه محمد بن عبد الله صاحب البلاد ، وخرج يكفر المسلمين ، وأن النصيرية على حق ، واحتوى هذا الرجل على عقول كثير من كبار لنصيرية الضلال ، وعين لكل إنسان منهم تقدمة ألف ، وبلاد كثيرة ونيابات . وحملوا على مدينة جبلة فدخلوها وقتلوا خلقا من أهلها ، وخرجوا منها يقولون : لا إله إلا علي ، ولا حجاب إلا محمد ، ولا باب إلا سلمان وسبوا الشيخين ، وصاح أهل البلد ، واإسلاماه ، واسلطاناه ، واأميراه ، فلم يكن لهم يومئذ ناصر ولا منجد ، وجعلوا يبكون ويتضرعون إلى الله عز وجل " .
فانظر كم انقلبت الأوضاع ، من أفتى العلماء بكفرهم يعلنون أن منهم المهدي ولكن أقوالهم وأفعالهم تشهد أنهم أبعد أهل عصرهم عن دين الله الإسلام .
3 - قتل شخص يدعي النبوة ، ففي سنة عشرين وسبعمائة للهجرة حدث أن ضربت عنق شخص يقال له : عبد الله الرومي ، وكان غلاما لبعض التجار ، وكان قد لزم الجامع ، ثم ادعى النبوة واستتيب فلم يرجع فضربت عنقه ، وكان أشقر أزرق العينين جاهلا ، وكان قد خالطه شيطان حسن له ذلك ، واضطرب عقله في نفس الأمر ، وهو في نفسه شيطان إنسي .
4 - الصوفية وغلوهم : لقد كان لابن تيمية مع صوفية عصره مواقف قاسى فيها منهم الكثير ، فلقد ادعى عليه صوفية القاهرة ما لم يقله في أمور الشفاعة وابن عربي وشكوه إلى القاضي ، ونتج عن هذا أنه خير بين السفر إلى دمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس ، فاختار الحبس ، ثم سافر إلى دمشق بعد ذلك .
على أن هذه المكائد من الصوفية لابن تيمية لم تكن إلا لأنه أظهر لهم فساد عقائدهم وما يلبسون به على الناس ، ففي سنة ( 755 هـ ) كان له مع أصحاب الطريقة الأحمدية موقف ، إذ طلبوا من نائب السلطنة أن يتركهم ابن تيمية وحالهم ودجلهم على الناس بدخول النار . ولكن شيخ الإسلام أصر على أن كل حال لا بد أن تدخل تحت الكتاب والسنة ، وأظهر للناس خطأ فهمهم ، وجانب الرجل في سلوك هؤلاء الصوفية ، وقد استعدى هؤلاء الصوفية بعض الحاقدين على شيخ الإسلام فاتهموه بآراء في العقيدة تخالف منهج السلف ، وحكموا فيه خصومه وساقوه إلى الحبس ، ولكنه لم يكف عن بيان الحق لهم ولغيرهم ، وما كان هذا ليمنعه عن أداء رسالته ، فقد التقى بصوفي في القاهرة يدعى إبراهيم القطان ، وكان مخالفا للسنة في مظهره ، وكان يأكل الحشيشة التي تغيب العقل ، فأرشده ابن تيمية إلى الحق ، ونهاه عن كل المخالفات حتى يتعرض لفضل الله ورحمته ، وغير هذا كثيرون ممن تظهر أقوالهم وأعمالهم فساد المعتقد ، أو غش الأمة والتلبيس على أهلها ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
|