عرض مشاركة واحدة
  #13  
قديم 2015-01-19, 07:40 AM
الصورة الرمزية غريب مسلم
غريب مسلم غريب مسلم غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2010-06-08
المشاركات: 710
غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم
افتراضي

الضابط السابع : وجوب إظهار ( مقصد الرحمة ) في موضع الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- .
يلحظ المتتبع لموارد الانتصار للنبي -صلى الله عليه وسلم- في القرآن والسيرة النبوية أنها لم تخلو من إبراز جانب الرحمة ؛ فحتى شدته -صلى الله عليه وسلم- بالكفار ومعاقبته لهم كانت مشوبةً بالرحمة ؛ فشدته عليهم شفقة، ، وعفوه عنهم إحسان، ومعاقبته لهم عدل ، وقتاله لهم رحمة ؛ فكان مقصد الرحمة ملازماً للنبي -صلى الله عليه وسلم- في المسالمة والمحاربة ، وفي المصابرة والمدافعة، وهو من عمومات الشريعة وكلياتها وعوائدها الثابتة المستقرة ؛ فأضحت البعثة النبوية من أولها إلى آخرها رحمة للمسلم والكافر؛ كما قال تعالى: [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] {الأنبياء:107} ؛ فمقصد الرحمة يظهر في مظهرين: الأول: تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة، والثاني: إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته([64]).
فما من أحدٍ من الناس إلاّ وله حظ من هذه الآية؛ كما يقول ابن القيم -معلّقاً عليها-: "وأصح القولين في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ ؛ أنه على عمومه وفيه على هذا التقدير وجهان :
أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته أما أتباعه فنالوا به كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه فالمحاربون له عجل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم، لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة وهم قد كتب عليهم الشقاء فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر، وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته وهم أقل شراً بذلك العهد من المحاربين له، وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيره، وأما الأمم النائية عنه فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النفع برسالته.
الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة لهم لكن لم يقبلوها لهذا المرض فإذا لم يستعمله المريض لم يخرج عن أن يكون دواء لذلك المرض"([65]).
وقد ثبت عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- أنه قال : لقيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض طرق المدينة فقال : [أنا محمد وأنا أحمد وأنا نبي الرحمة ونبي التوبة وأنا المقفي وأنا الحاشر ونبي الملاحم] ([66]) .
قال العلامة عبد الرؤوف المناويُّ – شارحاً الحديث- :" ووجه كونه نبي الرحمة ونبي الحرب إن الله بعثه لهداية الخلق إلى الحق وأيده بمعجزات ؛ فمن أبى عذب بالقتال والاستئصال ، فهو نبي الملحمة التي بسببها عمت الرحمة وثبتت المرحمة" ([67]).
وقد ظهر مقصد الرحمة - جلياً- في موضع الانتصار للنبي -صلى الله عليه وسلم- من المشركين والردّ عليهم ؛ كما جاء في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال:(كأني أنظر إلى النبي r يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)([68]).
وقد علّق الإمام ابن القيم - رحمه الله- على هذا الحديث بالقول : "وتأمل حال النبي الذي حكى عنه نبينا أنه ضربه قومه حتى أدموه فجعل يسلت الدم عنه ويقول: [اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون] ([69]) ، كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان قابل بها إساءتهم العظيمة إليه :
أحدها: عفوه عنهم .
والثاني: استغفاره لهم.
الثالث: اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون.
الرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه ؛ فقال [اغفر لقومي] كما يقول الرجل لمن يشفع عنده فيمن يتصل به : هذا ولدي ؛ هذا غلامي ؛ هذا صاحبي ؛ فهبه لي"([70]).
لذلك كانت معاملة النبي –صلى الله عليه وسلم- للمشركين بمكة معاملة عفوٍ وإحسانٍ لا معاملة تشفٍّ وانتقامٍ؛ كما في حديث عروة أن عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي –صلى الله عليه وسلم- حدثته أنها قالت للنبي –صلى الله عليه وسلم- : [هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ـ وفي الحديث ـ: فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي –صلى الله عليه وسلم- : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا]([71]).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ـ معلقاً على الحديث-: "وفي هذا الحديث بيان شفقة النبي –صلى الله عليه وسلم- على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهو موافق لقوله تعالى: [ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ] {آل عمران:159} وَقَوْله [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] {الأنبياء:107} ..."([72]).
وإذا شرع العبد بالدفاع عن نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم- في أي صورة من صور الدفاع فلا بد من إظهار الرحمة ؛ إذ مصلحة الانتصار له لا تقوم إلا بأن تقترن النّصرة بالرحمة ؛ فالنصرة وسيلة والرحمة غاية ، وبهما يتحقق التوسط بين الإفراط والتفريط، وبهما يكون الاعتدال بين برودة القلب ويبوسته؛ لذلك استعمل الرعيل الأول مع المشركين وأهل الكتاب كل سبيل موصل إلى نجاتهم وهدايتهم، وأعانوهم على تحصيل مصالح الدارين؛ فكان ذلك من مظاهر الرحمة والخيرية؛ حتى صارت محاربة المؤمنين للمشركين داخلة في معنى الرحمة والإحسان والفضل؛ كما جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال:[عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل] ([73])
وقد نقل الحافظ ابن حجر كلام ابن الجوزي في شرح الحديث؛ فقال : "معناه أنهم أسروا وقيدوا، فلما عرفوا صحة الإسلام دخلوا طوعا فدخلوا الجنة، فكان الإكراه على الأسر والتقييد هو السبب الأول" ([74])
وقد جاء عن الصحابي الجليل أبي هريرة -رضي الله عنه- في تفسير قوله تعالى: [ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] {آل عمران:110} , قَالَ: [خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام]([75]).
فلا تتمُّ مصلحة الانتصار لنبي الرحمة، ولا تتحقق مقاصد الدين إلا بالرحمة الحقيقية المبنية على العلم والهدى، لا على الجهل والهوى.
__________________
قال أبو قلابة: إذا حدثت الرجل بالسنة فقال دعنا من هذا وهات كتاب الله، فاعلم أنه ضال. رواه ابن سعد في الطبقات.
رد مع اقتباس