عرض مشاركة واحدة
  #15  
قديم 2015-01-19, 07:41 AM
الصورة الرمزية غريب مسلم
غريب مسلم غريب مسلم غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2010-06-08
المشاركات: 710
غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم غريب مسلم
افتراضي

الأصل الثاني: تخيير الأئمة في هذا الباب تخيير مصلحة لا تخيير شهوة.
ثمة فرق ظاهر بين قاعدة تخيير الأئمة، وقاعدة تخيير آحاد المكلفين ([81]), فإذا خُيّر الإمام بين أمرين، فعليه أن يختار ما فيه مصلحة للمسلمين؛ فيكون اختياره مبنيًا على الاجتهاد والمصلحة لا على المشيئة والشهوة.
أمّا تخيير آحاد الناس فيختلف بحسب نوع التخيير؛ فقد يكون تخييرًا بين واجبين، أو بين مباحين؛ فيختار أرجحهما تارةً, وأيسرهما تارة أخرى، وقد يكون اختياره اختيار تشهي؛ كما في اختيار الولد لأحد أبويه في الحضانة، وقد جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: [ما خير رسول الله r بين أمرين إلا واختار أيسرهما ما لم يكن إثما؛ فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه] ([82]).
وقد حمل بعض العلماء معنى التخيير في هذا الحديث على ما كان من أمر الدنيا ([83])؛ وحمله علماء آخرون على الأخذ بالأيسر والأرفق في كل أمر فيه تخيير ما لم يكن حرامًا أو مكروهًا([84]).
والأيسر والأرفق في باب نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم- أو في باب التعامل مع الكفار والمشركين أن يختار الإمام ما فيه مصلحة للإسلام؛ فأيسر الأمرين في هذا الباب أكثرهما مصلحة وأقلهما مفسدة.
قال أبو العباس القرافي رحمه الله -عند كلامه على الفرق بين قاعدة الأئمة وقاعدة آحاد الناس في التخيير-: "وأما التخيير بين الخصال الخمس في حقِّ الأسارى عند مالك رحمه الله ومن وافقه، وهي القتل والاسترقاق والمنّ والفداء والجزية، فهذه الخصال الخمس ليس له فعل أحدها بهواء، ولا لأنها أخف عليه، وإنما يجب عليه بذل الجهد فيما هو أصلح للمسلمين" ([85]).
وقد تضافرت أدلة الشريعة على أن الإمام إذا خُيّر بين أمرين عند تعامله مع الكفار؛ فعليه أن يختار الأصلح للمسلمين؛ كما في حادثة الأسرى؛ فقد اختار النبي –صلى الله عليه وسلم- الفداء وشاور أصحابه: فكان رأي أبي بكر الصديق –رضي الله عنه- الفداء أيضًا، وكان رأي عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- قتل الأسرى؛ فنزل قوله تعالى: [ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] {الأنفال:67} .
وقد روى أهل التفسير عن ابن عباس –رضي الله عنها- في تفسير الآية، قال: (وذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتدّ سلطانهم، أنزل الله تبارك وتعالى بعد هذا في الأسارى : [ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً] {محمد:4} ؛فجعل الله النبيَّ –صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار، إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادَوْهم)([86]).
أي: أن النبي –صلى الله عليه وسلم-في قضية الأسرى- اختار أولًا ما كان أسهل وأيسر؛ لأنه –صلى الله عليه وسلم- ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، لكن الأصلح للمسلمين في ذلك الوقت أن لا يكون لهم أسرى حتى يُثخِن في الأرض ثم خُيّر بعد ذلك بين الفداء، أو القتل، أو ما فيه مصلحة للمسلمين، قال تعالى: [ فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا] {محمد:4} .
قال الشنقيطي رحمه الله: "وأكثر أهل العلم يقولون أن الآية ليست منسوخة، وأن جميع الآيات المذكورة محكمة؛ فالإمام مخيّر وله أن يفعل ما رآه مصلحة للمسلمين، من منّ وفداء وقتل واسترقاق" ([87]).
والمقصود أن أيَّ تخيير مع الكفار ينبغي أن يكون مبناه على المصلحة، وأنّ هذا التخيير من خاصّية الإمام ومنوط به، وهو في اختياره هذا يكون مجتهدًا؛ إذ الأصل أن تصرفات الإمام منوطة بالمصلحة ([88]).
وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فإن الإمام إذا خُير في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء؛ فعليه أن يختار الأصلح للمسلمين فيكون مصيبًا في اجتهاده حاكمًا بحكم الله، ويكون له أجران، وقد لا يصيبه فيثاب على استفراغ وسعه ولا يأثم بعجزه عن معرفة المصلحة" ([89]).
وهناك أمور ينبغي على ولي الأمر أن يغلب فيها جانب العقاب والزجر ؛ إذ لا تظهر المصلحة في بعض أنواع الانتصار إلا بالمعاقبة والردع ؛ كسبِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وشتمه ؛ لأن " ضرر السب في الحقيقة إنما يعود إلى الأمة بفساد دينها وذل عصمتها وإهانة مستمسكها ؛ وإلا فالرسول صلوات الله عليه وسلامه في نفسه لا يتضرر بذلك" ([90]).
وقد ظهر من هذين الأصلين أن الدفاع الممدوح عن نبي الرحمة محمد -صلى الله عليه وسلم- شرعا وعقلا - يكون بالشجاعة والسماحة واستطلاب المصلحة... وفق الله تعالى أئمة المسلمين وحكامهم للاتصاف بهذه الخصال ، وأعانهم على القيام بواجب النُّصرة لله وللرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وفتح عليهم من أسباب طاعته ومرضاته.
فإن قيل : إنه قد يتعذر- في وقتنا الحاضر - في بعض البلاد والأمصار وجود أئمة يقومون على أمر الدين – نصرةً وجهاداً – في وقت قد تكالبت فيه قوى الشّر على نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم- بالطعن والاستهزاء ؛ فما الحل للخروج من هذا المأزق؟
فالجواب أن يقال :
إن إحسان الظن بأئمة المسلمين وحكامهم مطلوب على الدوام؛ ففي الأمة خيرٌ كثير وعطاءٌ وفير , لكن يحتاج إلى تفعيل وتثوير؛ كما أخبر الصادق الأمين: [مثلُ أمتي مثلُ المطر، لايُدْرى أوّله خيرٌ أم آخره] ([91]).
وعند تعذر الكمال فيصار إلى الأمثل فالأمثل منهم، ثم إذا تعذر الكمال في آحادهم ، فقد يعوّض بتعاون المجموع واجتماعهم على كلمة سواء.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
__________________
قال أبو قلابة: إذا حدثت الرجل بالسنة فقال دعنا من هذا وهات كتاب الله، فاعلم أنه ضال. رواه ابن سعد في الطبقات.
رد مع اقتباس