
2015-01-29, 01:58 PM
|
 |
مشرف قسم التاريخ الإسلامى
|
|
تاريخ التسجيل: 2009-08-07
المشاركات: 1,858
|
|
سلسلة أولو الألباب / الدكتور عثمان قدري مكانسي/ق14
سلسلة أولو الألباب
الدكتور عثمان قدري مكانسي
القسم الرابع عشر
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (21) الزمر.
ألم ترّ : دعوة إلى التفكر والتدبُّرِ، فما يعقل الحياة ويفهمها إلا من سَبَحتْ أفكارُه في ملكوت الله يستلهم العظات والعبر، ويتساءل تساؤل الواعي عن الحياة وأسبابها والوجودِ وعوامله.
وما كل من نظر رأى، لا بد للنظر من قلب واع مستنير يرى ما حوله بعين الفاحص الخبير،فيجد النظام في الكون كبيرِه وصغيره ، دقِّه وجليلِه. ويتعرف على بديع الصنع ودقة العمل ،فيعلم أن الله تعالى خلق كل شيء بقَدر، وهيّأ له جوّه المناسب ، فيزداد إيماناً بالله وحباً له سبحانه.
ذكر بعض علماء الطبيعة أنهم اكتشفوا غيمة في السماء تحوي من الماء ستين ضعفَ ما في الأرض من محيطات وبحار وأنهار.وأن الماء نزل من السماء إلى الأرض حين اراد الله تعالى أن تكون سكناً لآدم عليه السلام وذرّيته.وقد كانت الأرض صعيداً جُرزاً، وسوف تعود كذلك بعد أن تقوم بدورها كاملاً في احتضان البشر : { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)}(الكهف).
فأصل الماء في الأرض من السماء كما قال عز وجل : { ..وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا (48)}(الفرقان)، فإذا أنزل اللهُ الماء من السماء توزّعَ في الأرض، ثم يصرفه تعالى في أجزائها كما يشاء ،ثم يُخرجه عيونا مختلفة القوة والحجم بحسب الحاجة إليها، قال تبارك وتعالى : { فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ } . أقرأ هذه الاية فأرى بعينَي قلبي الماءَ العذبَ يتسلسل في أنابيب أرضية مخترقاً ماء البحار دون أن يذوب فيها ويختلط ،ويشقُّ الأرض الصلبة فيحيي به الله مواتَ الارض من زرع وأشجار مختلفة الطعم والمنظر والأحجام والأشكال، بين حلو وحامض ومالح ، وبين رائحة ولون، فتنطق جوارحي بكلام الله تعالى: { هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (11)}(لقمان).
وتستمر دورة الحياة فنرى الزرع والشجر (يهيجُ) بعد نضارته وشبابه ويكتهل ، فتراه مصفرا قد خالطه اليبس ثم ييبس تماماً فيتهشّم ، هكذا الحياة،تبدأ بُرعُماً غضاً، ثم يكبر هذا البرعم ويشتدُّ فيحمل الخير إلى المخلوقات، فإذا ما انتهت مَهمَّتُه دبَّت الشيخوخةُ فيه فأسلمته إلى الضعف والهرم، ثم إلى الفناء ، هكذا نحن معشر البشر – أيها العقلاء ، يا أصحاب القلوب الذكية والأفئدة المتدبّرة "إنَّ الدنيا هكذا تكون خضرة نضرة حسناء ،ثم تعود عجوزا شوهاء والشاب يعود شيخا هرما كبيرا ضعيفا ، وبعد ذلك كله (الموت ) الذي لا بُدَّ منه ،
يقول ابن كثير رحمه الله: فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير وكثيرا ما يضرب الله تعالى مثـَلَ الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء،فينبت به زروعا وثمارا ،ثم يكون بعد ذلك حطاماً، ألم يضرِبِ الله تعالى الأمثالَ لنعي ونتفكر ونتدبّر؟ { وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا (45)}(الكهف).
عن ابن مسعود قال : قلنا يا رسول الله يقولُ تعالى : { أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ .. (22)}(الزمر) كيف انشرح صدرُه ؟
قال : ( إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح )
قلنا : يا رسول الله وما علامة ذلك ؟ .
قال: ( الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعدادُ للموت قبل نزوله).
وعن ابن عمر : أن رجلا قال يا رسول الله أي المؤمنين أكيَسُ ؟
قال: ( أكثرهم للموت ذكرا وأحسنُهم له استعدادا وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع )
قالوا : فما آية ذلك يا نبي الله ؟
قال : ( الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت ) فذكر صلى الله عليه وسلم خصالا ثلاثة , ولا شك أن من كانت فيه هذه الخصال فهو الكامل الإيمان , فإن الإنابة إنما هي أعمال البر ; لأن دار الخلود إنما وضعت جزاءً لأعمال البر , ألا ترى كيف ذكره الله في مواضع في تنزيله. ثم قال بعقب ذلك : { جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)}(الواقعة) ، فالجنة جزاء الأعمال ; فإذا انكمش العبد في أعمال البر فهو إنابته إلى دار الخلود , وإذا خمد حرصه عن الدنيا , ولها عن طلبها , وأقبل على ما يغنيه منها فاكتفى به وقنع , فقد تجافى عن دار الغرور . وإذا أحكم أموره بالتقوى فكان ناظرا في كل أمر, واقفا متأدبا متثبتا حذرا يتورع عما يريبه إلى ما لا يريبه , فقد استعد للموت . فهذه علامتهم في الظاهر . وإنما صار هكذا لرؤية الموت , ورؤية صرف الآخرة عن الدنيا , ورؤية الدنيا أنها دار الغرور , وإنما صارت له هذه الرؤية بالنور الذي ولج القلب(تفسيرالقرطبي).
وما أروع هذا التعليل لقوله تعالى: { ..فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22)}(الزمر) ، إذ روى ابو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله تعالى : اطلبوا الحوائج من السُّمَحاء ،فإني جعلت فيهم رحمتي. ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم، فإني جعلت فيهم سخطي ) .
وقال مالك بن دينار : ما ضُرب عبدٌ بعقوبة أعظمَ من قسوة قلب , وما غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم .
من سمات أولى الالباب في هذه الآيات:
1- أنهم يتفكرون ويتدبّرون ، وقلوبهم ترى الواقع بعين البصيرالواعي.
2- صدورهم ممتلئة بنور الله يصدرون عنه أقوالاً وأعمالاً.
3- ما يدخل النور قلباً إلا حين يتمكن نور الإيمان فيه.
4- يكثرون من ذكر الله وقلوبهم متعلقة بخالقها.
يتبع
|