(2)
ما دفعني لاكتب ما اكتب عن الرافعي و فلسفته في الحب و الجمال ، و بيان المعاني الخفية التي توجد وراء الفاظه و مقاصده ، هو ما رايت من بعض اصحابنا من الاعراض عن ادبه ، و النكوب عن كتبه ، و حجتهم في ذلك انه ليس للرجل الا الكلام في الحب و الجمال و المراة ، و قد بينت في المقال الاول بعض الجوانب من فلسفة الرافعي في الحب ، و لو اردنا ان ننقل لك كل كلامه في المسألة لاقمنا ليلتنا في ذلك .
لم يتمكن المتكلمون في الجمال ، من الاتفاق على صفات محددة ، و مقاييس منضبطة ، يحكمون بها على الاشياء بجمال او قبح ، و ما كان عجزهم هذا الا من انطلاق كل واحد منهم من ذات نفسه ، فكان كل منهم يحدد الجمال وفق ما يهوى هو ، ثم جاء الرافعي ، فتامل و تدبر ، قعد و اصل ، كتب و نظر ، فكان ما يجده في مشكاة النبوة و القيم الانسانية العليا هو الاساس في تحديد الجميل من القبيح .
ان الجمال عند الرافعي _ رحمه الله _ ، لا يرتبط بالالفاظ ، و انما باثر تلك الالفاظ و صفاتها و معانيها ، فالجميل هو صاحب الاثر الجميل ، و القبيح هو صاحب الاثر القبيح ، فالرافعي علم مواطن الجمال في الجميل و علم ايضا مواطن القبح فيه ، و انه لا يخلوا جمال من قبح ، و كذلك عرف مواطن الجمال في القبيح ، و انه لا يخلو قبح من جمال ، و انما العبرة في هذا كله بالمعاني ، معاني القبح و معاني جمال ، و لهذا وقف الرجل قائلا : " و زال القبح باعتيادي رؤيته ، و بقيت المعاني على جمالها " انتهى
و كذلك نقول و بمفهوم المخالفة : ان القبح يزول بالاعتياد عليه و تقليب النظر فيه ، فلا يبقى منه الا معانيه ، الا ترى يا صاحبي ان الطعام اللذيذ اذا داومت على تناوله زالت لهفتك اليه و اقبالك عليه و زال تلذذك به ، و اصبحت رائحته لا تشعرك بشيء الا الغثيان ، و هذا انما هو مثال فركب عليه ما شئت مما تراه جميلا او قبيحا .
الرافعي ، يا صاحبي ليس له ذنب حتى تغض من ذكره ، و تسقط من قيمته ، الا انه يورد الامور مواردها ، و يصدرها مصادرها ، هذا و قد كان علينا حقا نصر المؤمنين و الذب عن اعراضهم بما تيسر لنا من علم ، كما ذبوا عن هذا الدين حين مدت الزندقة عنقها و اطلقت لسانها .
كتب : الاربعاء 29 ربيع الثاني 1439 ( 17/01/2018)
__________________
( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) الكهف 6
كل العلوم سوى القرآن مشغلة ..... إلا الحديث وعلم الفقه في الدين
العلم ما كان فيه قال حدثنا ..... وما سوى ذاك وسواس الشياطين
آخر تعديل بواسطة عمر ايوب ، 2018-05-02 الساعة 08:32 PM
|