عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 2010-08-20, 09:56 AM
الصورة الرمزية Nabil
Nabil Nabil غير متواجد حالياً
مشرف قسم التاريخ الإسلامى
 
تاريخ التسجيل: 2009-08-07
المشاركات: 1,858
Nabil Nabil Nabil Nabil Nabil Nabil Nabil Nabil Nabil Nabil Nabil
افتراضي تأملات تربوية في سورة القصص/د.عثمان قدري مكانسي/قصة قارون


تأملات تربوية في سورة القصص

القسم الخامس:قصة قارون

د.عثمان قدري مكانسي

1- قارون من قوم موسى ، ولعله ابن عمه كما يروي المفسرون ، كان فقيراً حين آمن بموسى ولكنه حين استغنى انتقل إلى صف الكفار المناهضين للدين الجديد ، المعادين له .

2- " إنّ الإنسان ليطغى* أن رآه استغنى " وهكذا نجد قارون يظلم قومه حين كثرت الأموال بين يديه ، وهذا دليل تفاهة من يغره المال ، فيصرفه عن وجوه الخير ، بل يشتط في الكبر والاستعلاء .

3- وظلم القريب قريبَه شديد ،مؤلم ، قاس لئيم .. أتدرون لماذا ؟

ا - يتوقع القريب من قريبه الوجيه الموسر القادر على المساعدة
الرحمة َ، ويتوقع العون ، وقد لا يتوقع من غيره أن يكون عطوفاً عليه رحيماً به ، فإذا فوجئ منه بالظلم والنكران زاد ألمه ألماً ، وضيقه شدة .

ب -إن القريب أو الصديق أعلم بمواطن الضعف عند الآخرين ، فإذا انقلب عدواً كان أذاه أشد لمعرفته بدخائله ، وقد قال الشاعر مصوراً هذه الحالة ومنبهاً من الانكشاف للآخرين ولو كانوا أهلاً وأصدقاء ، فالحفاظ على الخصوصيات لا بد منها حتى عن القريب والحبيب:

احذر عـدوّك مرة * واحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديـق * فكان أعلمَ بالمضرّة

ج - وقد يكون عند فقره حاسداً أهل الفضل من قومه يحمل الضغينة لهم ، وهذا دأب كثير من الناس ، وعادة قد تكون متأصلة فيمن دينه ضعيف وقلبه ضيق وعقله قاصر فإذا اغتنى بعد فقر أظهر الكشح وأعلن العداوة واالنقمة ، والتشفي . وتراه في صفوف أعداء الله يضرب بسيفهم ويواليهم على قومه

د - ومن هذا دأبه يجعله الغنى متكبراً يرى الآخرين دونه ، ويسعى إلى إذلالهم .

4- وهنا نجد الدعاة من قومه ينصحونه - والمؤمن يريد الخير للجميع ويخص قومه بخيره – ويجتهد في النصح لهم ، فهذه مهمته في الحياة ، وكانت النصائح على التوالي :

أ - البعد عن البطر فهو من الآفات التي تقصم ظهر صاحبها ، وتهلكه ، فالله تعالى أعلن ذلك ، حيث جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه عز وجل قال " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار " ( الدرر السنية ) ومن ادعى ذلك غضب الله عليه ، وكرهه ، قال تعالى: " إن الله لا يحب الفرحين " البطرين الذين لا يشكرون الله على إنعامه ويتكبرون بأموالهم على عباد الله فما ينبغي لأحد أن يستكبر أو يتعالى .

ب - أن يطلب الدار الآخرة فيما أعطاه الله من الأموال ، " وابتغِ فيما آتاك الله الدار الآخرة " فيتصدق وينفق على الطاعات ، فهذا من شكر الله تعالى ، وسيجد في الآخرة – إن فعل ذلك – فضلاً من الله كبيرا .

جـ - كما أن للإنسان أن يتمتع بالخير الذي وهبه الله إياه في الدنيا دون أن تكون الدنيا همه الأكبر أو الوحيد ، وهذا تنبيه واضح إلى أن العاقل يجعل الآخرة الباقية نصب عينيه وهدفه الأول ، وله أن يتمتع بدنياه " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " .

د – أن يحسن إلى الناس ، فالإحسان من التحدث بنعمة الله ،" وأما بنعمة ربك فحدّثْ " وليس الحديث بالتفاخر والتباهي بما أنعم الله علينا فقط ، فهذا إيذاء لمشاعر الناس وإساءة إليهم . ومن أحسن إلى الناس فقد استجلب رضا الله تعالى عليه وحبه له ، ومن أحبه الله فاز وأفلح " الخلق عيال الله واحبهم إلى الله أنفعهم لعياله " . وكما تدين تدان : فمن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه ، ومن احسن الله إليه أحسن إلى عباد الله .

هـ - من الإساءة أن يكون الإنسان فاسداً ، وأشد منه أن يكون مفسداً . والإفساد طرقه كثيرة ، منها : البغي في الأرض ، وكثرة المعاصي ، وصرف المال فيما يغضب الله تعالى ... والبعد عن الإفساد والفساد من سمات العاقل اللبيب ، وعكس ذلك من سمات اللئيم الذميم . والله تعالى يكره هذا الصنف الذي يفسد في الأرض ، ومن كرهه الله تعالى كان من الخاسرين .

5- العاقل من اتعظ ، والجاهل من تنكب الطريق السويّ ، فأورده موارد الهلاك . وكان قارون من الصنف الثاني الذي أرداه جبروته ، فادّعى ما ليس له .... ادّعى أن ذكاءه وعبقريته كانا السبب في نجاحه هذا النجاح الكبير ، وأن المال جمعه بجده ونشاطه ليس غير !! وهذا مقتل المتكبرين ، وهلاك المتجبرين . هؤلاء الذين لا يتعلمون ممن غبر ، ولا يتعظون من مصائر أمثالهم .

6- وقد يتساءل أحدهم : كيف " ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون " ألم يقل الله تعالى " فوربك لنسألنّهم أجمعين عما كانوا يعملون " والأمر ليس فيه تعارض البتة ، إنما هو تصوير لمصيرهم السيء ، والله تعالى لعلمه بما فرّطوا وتجاوزوا لا يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها تحقيراً لهم ، وغضباً عليهم . وانظر معي إلى هذا التصوير المخيف في طريقة دخول هؤلاء المجرمين النار – والعياذ بالله – " يُعرف المجرمون بسيماهم فيُؤخذُ بالنواصي والأقدام " ما أهونهم على الله حين يأمر بهم إلى النار ، فتمسك الزبانية برؤوسهم وأرجلهم ، ويُقذفون بهذه الطريقة المهينة في سواء جهنم !!

7- قارون وأمثاله – هؤلاء الذين طُمست بصائرهم ، فما عادوا يرون إلا ذواتهم – يستعلون على عباد الله فيخرجون متعاظمين كما فعل قارون حين " خرج على قومه في زينته " متباهياً مفتخراً بأكمل زينته ذات يوم ، يليه أتباعه الكثيرون متحلين بملابس الذهب والحرير ، على خيول موشحة بالذهب والعقيان ، ومعه الجواري والغلمان في موكب حافل باهر فيسبي قلوب أهل الدنيا ، فيتمنون أن يكونوا مثله ، أو يكون لهم ما له ، ويعتقدون مخطئين أنه ذو حظ عظيم .

8- أهل الإيمان الذين ينظرون بنور ربهم يعلمون زيف الدنيا وصغارها إن الحياة الحقة هي الحياة الباقية ، أما الفانية الزائلة فلا تستهويهم . إنهم قالوا حين سمعوا أهل الدنيا يتمنون هذا الزائل ناسين الآخرة وخلودها :
" ثواب الله خير لمن آمن ،
وعمل صالحاً ،.......
ولا يُلقّاها إلا الصابرون "

فالإيمان بالله أولاً ، يليه العمل الصالح ثانياً ، يليه الصبر والرضا بما قسم الله تعالى ثالثاً
ثوابُ الله الجزيل الذي يغمر العباد الصالحين .

9- العقوبة العاجلة للمتكبرين في الدنيا ، فقد خسف الله تعالى بقارون الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ، تضيق عليه ويحترق بنيرانها جزاء وفاقاً هو ومن يسير في ركابه ، فماذا يقول هؤلاء الذين باعوا آجلاً بعاجل ، ورضوا أن يكونوا في صفوف أعداء الله ، يحاربون أولياء الله ؟؟؟!!! والمرء مع من أحب ،، أليس كذلك ؟!!
رد مع اقتباس